المعجم الصوفي الحكمة في حدود الكلمة د. سعاد الحكيم
المعجم الصوفي الحكمة في حدود الكلمة تأليف د. سعاد الحكيمبسم الله الرحمن الرحيمالإهداء إلى أبي الروحي ، سيدنا أبو العباس الدندراوي . تقف حروفي على اعتاب صفاتك المحمدية ، يمنعها من التشكل حياء التقصير . . فترتد عاجزة ، ويسفر جمال كمالك فوق كل تعبير . سعاد الحكيم" ولقد آمنا بالله ورسوله وما جاء به مجملا ومفصلا ، مما وصل الينا من تفصيله وما لم يصل الينا ، ولم يثبت عندنا . فنحن مؤمنون بكل ما جاء به . . . أخذت ذلك عن أبوي أخذ تقليد . . . . فعملت على ايماني بذلك حتى كشف الله عن بصري وبصيرتي وخيالي . . فصار الأمر لي مشهودا ، والحكم المتخيل المتوهم بالتقليد ، موجودا . . . فلم أزل أقول وأعمل ما أقوله ، واعمله ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ، لا لعلمي ، ولا لعيني ولشهودي . . " الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي 560 ه - 638 ه الفتوحات المكية ج 3 ص 323شكر وتقدير استهل كلامي بتقدير وشكر عميقين لأستاذي ، فقيدنا الغالي الأب الدكتور بولس نويا ، الذي جعل كل تجربته وخبرته ورصيده الفكري والثقافي ، مرآة مصقولة أمام تفتّح فكري وقلمي ، فلم يحجبني بايقاع تفكيره ، ولا سعى إلى تكويني على ذلك الايقاع ، بل تركني أرى ذاتي تتحدد وتتبلور في صدق مرآته . فالتقينا وراء الحروف ، وراء الكلمات . واثنّي بشكر حار وتقدير صادق للدكتور عبد الكريم اليافي ، العضو في مجمع اللغة العربية بدمشق ، الذي اتسع قلبه لقراءة معظم مفردات هذا المعجم ، واطمعني كرمه بأن استقي من معين صوفيته الرائق ، عذب تجربته الخاصة ونظرته التي أرادها بسيطة إلى الكون ، فجاءت الغنى كله . كما أتقدم بالشكر إلى السيد محمد رياض المالح الذي فتح لي أبواب المكتبات الخاصة والعامة ، أتزود من مخطوطاتها سطور هذا المعجم ، فلم يبخل بوقت أو بجهد بل كان دائما في خدمة البحث والباحثين . وأخيرا . . . إلى رفيق درب التعب هذا . . إلى زوجي . . حسن شرف الدين ، اقدم صافي الشكر على قناعته الشخصية بجدية العمل الذي أقوم به ، فكان عزمه يشد عزمي في لحظات الفتور ، وتأتي ابتسامته لتضيء أحلك ليالي الجهد ، تمدني بالصبر على اكمال الطريق . سعاد......................................تقديم إن الكتابة في التصوف اليوم ، تتطلب رجوعا جذريا إلى منابع نصوصه نفسها ، بعيدا عن المؤلفات التي طالعنا بها العصر الحديث ، بعد الأربعينات . . مؤلفات أخذت في ظاهرها منهجية علمية ، أرادتها موضوعية فجاءت استشراقا بعيدا عن الفهم لهذه التجربة الاسلامية . ولم تكتف بذلك بل توالدت ، تنقل عن بعضها البعض . فلا نكاد نحصل - الّا نادرا - على كتاب حول تاريخ التصوف ورجاله الخ . . إلا أن يكون مبوبا تبويبا أضحى تقليديا ، لا يكلف المؤلف نفسه عناء تمحيصه الموضوعي ، فجاء واحدا يشمل : نشأة التصوف ، سبب التسمية ، مصادر التصّوف الاسلامي . وهكذا . . وبرع دارسو التصوف في كل علم ، فانطلقوا من هذا العلم في قراءة ايديولوجية للنصوص الصوفية ، وهم يتوهمون موضوعية ، سقطت امام أحدية الجانب الذي ينظرون منه إلى هذه النصوص . فالبحث الصوفي اليوم ، حتى يكون صوفيا ، عليه أن يرجع إلى الجذور ، رجوعا يحقّق فصلا معينا بين الباحث والمتصوف في علاقة من داخل ، تفتّح أمامه : رؤية إسلامية تجريبية . تضم إلى أبعادها الكونية - الإلهية ، بعدا باطنيا إنسانيا . وتطرح هذه العودة أمام الباحثين “ شركا “ سقط فيه الكثير منهم ، فلم يميزوا بين التجربة الصوفية وبين التعبير عنها . فطابقوا بينهما ، مطابقة هي المسؤولة في إرجاعهم التصوف الاسلامي إلى أصول تارة يونانية ، وهندية ، وأخرى فارسية . . الخ . .فالتجربة الصوفية ، حيث تقف “ ذات “ المتصوف في مواجهة موضوع حبها أو معرفتها . هي تجربة جوانية تتحرك في اطار ذاتية معيشة ، بعيدا عن الحروف ، والكلمات . . بعيدا عن “ الآخرين “ . وهي تجربة قرب وعرفان مجالها الحيوي : القرآن والسنة . تجربة اسلامية من نمط قرآني خاص :” وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ “[ 2 / 282 ] ““ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ “1 [ 3 / 191 ] . أما التعبير عن هذه التجربة ، فهو خروج من الذاتية والجوانية إلى “ الآخرين “ ، هي عودة الصوفي من رحلته في “ الأعماق “ إلى “ الآفاق “ . وهنا تأخذ هذه الجوانية اشكالا لدى التعبير عنها : تأخذ لغة “ الآخرين “ . وهذا منسجم تماما مع السنّة ، “ أمرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم “ ، فالخطاب تنزّل من عوالم “ الذات “ في اطلاقها إلى حدود الحرف . . إلى افهام الآخرين . . إلى “ قدر العقول “ . وهنا على مستوى التعبير ، تدخل العبارات والاصطلاحات والمفاهيم السائدة في زمن الخطاب ، فيتناولها “ الصوفي “ ليعبر بها عن تجربته ، في محاولة تواصل مع “ الآخرين “ . فتظهر بالتالي مفردات نجد جذورها في فلسفات شرقية ويونانية ، تظهر على مستوى “ التعبير “ ، وهي المرحلة التي تلي صفاء ونقاء التجربة . ولكن هل عبّر المتصوفة عن تجربتهم بلغة الآخرين ؟ - وهنا تنتفي إمكانية معجم صوفي . وتظل دراستهم محصورة بالنظريات - أم خلقوا من تجربتهم لغة جديدة ؟ ..........................................................................................( 1 ) ان القرآن يدفع الانسان إلى التفكر في كل شيء ، في كل قضية ما عدا الذات الإلهية ، يدفعه من كونه عاقلا وليس مؤمنا فقط ، فظهر فعل التعقل في القرآن مخالفا للعقل اليوناني أو الأوروبي - الكانتي ، فهو فعل يقوم به الانسان بجملته ، انه نتاج الانسان ككل يمتزج فيه المعقول باللامعقول من حيث كونه واقعا . . حادثا . فالواقع يتخطى المعقول بامتزاجه بطاقات خفية يسعى الانسان للتوصل إليها ، حتى العلم الحديث نفسه يتجه إلى الطاقات الخفية في الانسان ، والعلم الانساني إلى اليوم محدود ، حتى العلم بأقرب الأشياء الينا وهو جسدنا نحن إلى اليوم نجهل عنه الكثير ، فكيف بأرواحنا وأنفسنا ؟ وما إلى ذلك من كونياتنا المغيبة عن بصرنا ، الحاضرة في واقعنا . لماذا هناك لغة جديدة ؟ لغة التصوف قبل الشيخ ابن العربي يكاد يجمعها أساس واحد ، وهو انها لغة تعرب عن تأمل وتجربة متلازمين . ولهذا انحصرت مشكلة متصوفي تلك الفترة في التعبير ، واشتركوا في الشكوى من حدود الحرف وعدم طاقته الاستيعابية لابعاد تجربة مطلقة . إذ ان الكلمة لا تستطيع ان تعبر بتطابق كلي عن الحال المعيشة ، فنرى المفردات تتعدد بتسلسل متدرج في محاولة يائسة ساعية نحو التطابق مع التجربة ، ويظهر الحرف والكلمة في كتاباتهم “ غيرا “ و “ سوى “ و “ ثانيا “ إلى جانب المراد منه ، ويتضح عجزه عن التعبير عن ذات التجربة ، بل حتى عن اتحاده الحقيقي بمضمونه . وربما رجع سبب هذا العجز إلى أنهم حاولوا التعبير عن تجربة خاصة ، ذات طبيعة فردية بلغة عامة لم تخلقها تجربتهم . والأهم من ذلك ان محاولة التعبير هذه ، كانت من داخل التجربة نفسها ، يدل على ذلك ظهور عبارات قيلت تحت وطأة الشطح ، والسكر ، والفناء والبهللة . . إلى آخر أنواع الغيبات السلوكية .لغة “ تنظير “ لتجربة من خلال مقدرة فذة على التعبير عن هذه التجربة : كان الشيخ ابن العربي من أوائل من انفصل من المتصوفة عن تجربته الصوفية ليحللها ، وينتقل بها من ميدان المواجيد والأحوال ، إلى منطق العلم والنظريات . ولذلك يأخذ بعض عليه “ برودته الصوفية “ ، ويرى بعض آخر فضله في ادخال الغرباء عن عالم التصوف ، إلى محراب هذا العالم ، وذلك بتؤدة العلماء ، دون ان تزلزلهم صيحات الوجد ولا تغرقهم بحار الغيبة . وقد كان يتحلى ، إلى جانب تجربته الواسعة الغنية ، بملكة التعبير عنها إذ انه يمتلك أسلوب التعبير الصحيح بالوسائل “ الكلاسيكية “ جميعها ، فنراه يعبّر عن فكرته الواحدة بفنون من القول ، كما أن الكلمة لدنه تتحد بمضمونها لا لتعبّر عنه بل لتكونه ، وتنتقل الكلمة من كونها “ سوى “ يثنّى المضمون إلى واحد هو عين المضمون ، ولا نجد عند شيخنا الأكبر تلك الشكوى ، من حدود الحرف وعجزه وتقصيره ، بل العكس يتحول الحرف إلى ذات مضمونه . وبالتالي لا تتعدد لديهالمترادفات ، بل كل مفرد هو غير الآخر ، لأنه وان كان يرمز إلى الحقيقة الواحدة ، الا ان نسبته إليها من وجه خاص ، لا يشترك فيه مع غيره . اذن انفردت الكلمة بمضمون وحيد ، لأنها استطاعت عند الشيخ ابن العربي أن تكون المراد منها ، فلم يحتج إلى التعداد . وان أردنا التعبير بلغة الشيخ الأكبر ، نقول : ان التجربة الصوفية هي : الظاهر ، والتعبير هو : المظهر . فلا “ تظهر “ التجربة الا في “ مظهرها “ ، متحققة في كلمات . وهذا التطابق بين التجربة واللغة لا يتحقق الا عند بلوغ التجربة مرحلة الاكتمال - فيتحول نشاطها إلى الخارج للتعبير عن نفسها . وهذا ما نلمسه عند الشيخ ابن العربي . غير أن هذا التطابق لا ينفي وجود العالمين : عالم الذات في نقاوته أو جوانية التجربة ، وعالم الآخرين المتمثل في : المشاكل الفكرية المطروحة - في زمن التعبير عن التجربة - من جهة ، واللغة الحية آنذاك من جهة أخرى . ولقد ظهرت مع الشيخ ابن العربي في أفق التصوف لغة جديدة ، هي لا شك وليدة نمط فكري جديد ، وتجربة اسلامية اكتملت خلال قرون ستة ، ونظرة شمولية إلى الكون . . نظرة عبقري من النمط الفريد على المستوى العالمي وليس على المستوى الاسلامي فقط . لقد استطاع الشيخ ابن العربي ان يكون نهاية مرحلة ، بكل ما تحويه هذه الفكرة من ابعاد ، فكما اختتم “ أرسطو “ مرحلة في الفكر اليوناني ، و “ كانت “ وضع نهاية مرحلة في الفكر الانساني ، هكذا يجب ان ننظر إلى الشيخ ابن العربي الذي استوعبت كتبه التجربة الصوفية السابقة ، فاختصر قرون ستة سابقة وقضى على قرون ستة لاحقة . على مستوى هذه العبقريات الكبرى يجب ان ننظر إلى الشيخ ابن العربي ، الذي اعطى الديانة الاسلامية وافق أفكارها وسعا عالميا كونيا ، وان لم يلمس العالم الغربي عن قرب هذه العبقرية [ باستثناء طبعا المهتمين بالاسلاميات والتصوف الاسلامي كماسينيون ، وهنري كوربان ] . فذلك انه لم يترجم ، علّ عذره هو ضخامة نتاج الشيخ ابن العربي وغموضه .ومن هنا أهمية الشيخ ابن العربي في كل عمل موسوعي يتناول التصوف . فهو من جهة يمثل قمة تفتح امكانات التجربة الصوفية عبر تطورها التاريخي . كما أنه من جهة ثانية ، يتمتع بطاقة غريبة على خلق المفردات ، لكأني به يشعر بامتلاكه الشيء عند تسميته . فهو عندما يحاول ان يشرح للقارئ مثلا : حالا من الأحوال ، أو عالما من العوالم ، أو مرتبة من المراتب الكونية ، أو حكما من الأحكام . . يوضح مظاهره ، والأهم من ذلك كله يعطيه : اسما . وهذه الرغبة الملحة لديه في تسمية الأشياء لامتلاكها . خلقت لغة جديدة . لغة استطاعت ، ان تضع امام كل أفكار التصوف السابقة وجزئياته : أسماء و “ مفردات “ . كل ذلك يبرر ظهور “ معجم صوفي “ من جهة ، ويحتم نسبته إلى الشيخ الأكبر من جهة ثانية . فهو “ قطب “ اللغة الصوفية ومفرداتها . وكل “ مفرد “ يطالعنا في نصوص أرباب الصوفية : اما انه يتجه إلى التكامل عنده ، أو عالة عليه . ولكن هل تحققت هذه اللغة الجديدة باصطلاح فيه بعض من ثبوت أعطاها اسم اللغة ؟ نجيب عمليا عن هذا السؤال ، بنقاط نستخلصها من منهج الشيخ ابن العربي في نظرته إلى المفردات .1 - افراغ الكلمة من إشارة مضمونها الذاتية : لقد نقل الشيخ ابن العربي مضمون بعض المفردات ( كالتوكل والاستقامة . . ) من وجود منطقي إلى وجود واقعي . فالتوكل مثلا في التصوف الكلاسيكي له إشارة ذاتية تميز صاحبها بصفة خاصة لا يتمتع بها غير المتوكل . على حين ان الشيخ ابن العربي ، بعد بيانه معنى التوكل عند السابقين ، ينقلنا إلى نظرته الخاصة فهو لم يميز المتوكل عن غيره ، فعلى صعيد الواقع Realite كل انسان هو متوكل شاء أم أبى 1 ، لأن الفاعل الحقيقي لكل شيء وفي كل شيء هو اللّه . ..........................................................................................( 1 ) كذلك كل مخلوق ، مستقيم ، لأنه يؤدي الدور الذي خلق من اجله . راجع “ استقامة “ في هذا المعجم . فقد أفرغ الشيخ ابن العربي كلمة “ توكل “ وأمثالها من مقامات التصوف الكلاسيكي ومنازله ، من مضامينها الخاصة . ولكن جدليته لا تنتهي عند هذا النفي ، بل تعطي إثباتا بديلا ، يتميز المتوكل به عن المسمى في العادة غير متوكل ، بالوعي( prise de conscience ) فالمتوكل هو من وعي هذا الواقع التوكلي الحادث . وهكذا تخطى الشيخ الأكبر كل المقامات الكلاسيكية التي تفترض إرادتين ووجودين ، إلى وحدة هي غنى مثقل بالمفاهيم والنسب والإضافات ، استوعب الثنائية الكلاسيكية كحدي تحقق جدلي.2 - نقل مضمون الكلمة من مستوى إلى مستوى : نقل الشيخ ابن العربي معظم المفردات ، ذات الدلالات النفسانية والعرفانية والاجتماعية والخلقية إلى مستوى وجودي تنفصل فيه عن قيم الخير والجمال ، لتعبر عن وجود كياني . مثلا : الكمال لم يعد يومئ إلى تصور خلقي متعارف بل يفيد جمعا صفاتيا في كينونة . فالانسان يعتبر كاملا ، أو يقترب من الكمال ، كلما جمع في كونه صفات مرتبته بغض النظر عن تقويمها عقلا وشرعا وعرفا . كذلك “ الفناء والبقاء “ نظر اليهما التصوف الكلاسيكي ، على أنهما حالان نفسيتان روحيتان معينتان . نقلهما الشيخ الأكبر في مرحلة ثانية ، إلى صعيد الوجود . فأضحى الفناء والبقاء برأيه هما فناء الوجود وزواله ثم عودة الوجود لا بذاته بل بمثله ( انظر كلمة “ خلق جديد “ ) . وهكذا انتقلت هاتان الكلمتان من ميدان الشعور والاحساس إلى ميدان الوجود العيني .3 - تغير مضمون الكلمة في التعريف والتنكير تغيرا كليا : يستعمل الشيخ ابن العربي بعض المفردات معرّفة ونكرة ، وقد نشعر من استعماله لها بتضارب تناقضي ، ان لم ننتبه لاستنباط الأساس الذي اعتمده في انتقاله بين التعريف والتنكير ، فالمصطلح معرفا هو ذات محددة بشخص معين ، ومنكرا هو صفة ومرتبة تطلق على كل من حصّلها . ونضرب لذلك مثلا : القلم ( معرفة ) - القلم الأعلى - أول مخلوق في عالم التدوين والتسطير . ( القلم هنا واحد )القلم ( نكرة ) - مرتبة الفعل أو الذكورة في مقابل مرتبة الانفعال أو الأنوثة ( - لوح ) ( القلم هنا لا يحصى عدده ) [ راجع “ قلم “ ] وقد لا يقدّر القارئ البعيد عن أجواء الشيخ الأكبر هذه الاستنباطات الخاصة متأثرا ببساطة العرض ، ولكن العارف المطلّع على أسلوبه في تشتيت نظرياته وايرادها بشكل متشابك متبعثر ، يقوّم وصولنا إلى لمس حركية فكره على اتساع مؤلفاته وانتثار مفرداته . فقد يقول في نص ورد في أول فتوحاته مثلا : إن أول مخلوق هو القلم الأعلى ثم لا يلبث بعد ان يملي مئات الصفحات في مواضيع مختلفة ، ان يقول عن أول مخلوق إنه لوح . هل يتناقض ؟ كلا . ففي الجملة الأولى استعمل القلم معرّفا ، فعبّر به عن ذات واحدة متميزة . فالقلم الأعلى هو بمثابة “ اسم علم “ ، على حين انه في الجملة الثانية استعمل لفظة “ لوح “ نكرة . وبالتالي لا تعبر عن ذات مميزة واحدة هي : ثاني مخلوق ، بل هي هنا : مرتبة الانفعال ، اذن القلم الأعلى الذي هو أول مخلوق : منفعل عن الألوهية ، ومن هذه الناحية هو : لوح .4 - “ معراج “ الكلمة : “ معراج المصطلح “أنّى نجد معنى محددا مصطلحا في نظام فكري كل ما فيه يتحرك ، يعرج . فالكلمة لا ترتاح عنده في تحديد واحد وانما تتعدد في تيار يلونها بألوان متعددة ، كل لون هو مرحلة من مراحل التجربة . نشبه حركة الكلمة عنده بالمعراج ، انسجاما مع دراستنا الصوفية ، وان كان الأجدر ان نقول “ جدلية “ الكلمة . فالكلمة “ تعرج “ من مضمون أدنى إلى مضمون ارقى ، ثم إلى مضمون أعلى . . لا تستقر في مضمون بل تتركه دوما إلى مضمون أعلى دون ان تصل ابدا . . كل ذلك بديناميكية جدلية خاصة ، تلتقط في كل مضمون ما يحمله في حناياه ، من بذور إلغائه . وهكذا إلى ما لا نهاية لأنه : “ ليس للترقي انتهاء “ . ويشير الشيخ ابن العربي إلى موقفه هذا بأنه يتكلم : “ بلسان أعلى من لسان “ . ونورد لذلك مثلا بسيطا ، نلمس فيه ديناميكية الكلمة في ترقيها بالمضامين ، ونختار كلمة لم تبتدعها عبقرية الشيخ ابن العربي . وان كانت لغته قد دمغتها : الغربة .حيث نلاحظ انها: في معناها الأول تقارب المفهوم العادي لطائفة المتصوفة ، اما في معناها الثاني فقد لبست خلعة مقام ارقى . وفي المعنى الثالث تطوعت لتلائم تفكير الشيخ ابن العربي في وحدة الوجود . المعنى الأول : “ مفارقة الوطن في طلب المقصود “ ( ف 2 / 527 ) “ يطلبون بالغربة وجود قلوبهم مع اللّه “ ( ف 2 / 528 ) المعنى الثاني : “ واما غربة العارفين . . . فهي مفارقتهم لإمكانهم ، فان الممكن وطنه : الإمكان “ ( ف 2 / 528 ) . “ موطن الممكن : العدم أولا ، وهو وطنه الحقيقي ، فإذا اتصف بالوجود فقد اغترب عن وطنه “ ( ف 2 / 529 ) . المعنى الثالث : “ اما العارفون المكملون فليس عندهم غربة أصلا ، وانهم أعيان ثابتة في أماكنهم لم يبرحوا عن وطنهم [ الامكان ] ، ولما كان الحق مرآة لهم ، ظهرت صورهم فيه ، ظهور الصور في المرآة . . . هم [ العارفون المكملون ] أهل شهود في وجود . . . فمرتبة الغربة ليست من منازل الرجال . . . والغربة عند العلماء بالحقائق . . . غير موجودة ولا واقعة . . . “ ( ف 2 / 529 ) .5 - خلق مصطلحات لينتقدها : نجد لدى الشيخ ابن العربي بعض مفردات لم تخلقها تجربته الشخصية بل كان فيها ناقدا ، مثلا عبارات : إله المعتقدات الإله المجعول ، الإله المخلوق . . . لم تكن وليدة موقفه ، بل عملية “ تسمية “ فقط . فقد لاحظ ان كل متعبد للّه ، لا بد من صورة يخلقها بفكره النظري طالبا الحق فيها وراجعا فيها اليه . فيقرر انه : “ ما ثمة إلا عابد وثنا “ . . . انظر “ اله المعتقدات “ . والمهم في الأمر هنا : أن الشيخ الأكبر لا ينبه إلى موقفه الناقد بل يسرد بلغة شخصية يظن منها القارئ انه يقرر حقيقة يتبناها ، وهو في الواقع يعرضها ليرفضها . وهكذا لا بد للباحث في الشيخ ابن العربي من أن يتتبع مختلف اللهجات ، ويتفرغ بتفتح كلي لالتقاط تدرج لغته .“ التنظير “ عند الشيخ ابن العربي أساسه ديناميكية داخلية : للإحاطة بنظريات الشيخ الأكبر لا تكفي آلاف الصفحات ، ولكن نستطيع بشكل مبسط علمي ان نختصر هذه الآلاف من الصفحات ، بوضع الأسس الديناميكية التي تتفاعل بشكل معين حيّ ، لخلق التركيب النظري الذي يضعه بين أيدينا من خلال مؤلفاته . ولعل القاسم المشترك بين جميع مواقفه هو الوحدة الوجودية ، التي ينتهي إليها دائما . ونستطيع ان نعبر خلالها إلى نظرياته كلها لأنها وحدة غنية ، هي في الواقع تركيبSyntheseللطريحةtheseوالنقيضةantitheseبتأليف جدلي حيّ . ونأخذ عدة وجوه من هذه الوحدة ، تبين أسس الفكر الحاتمي الديناميكية .1 - الحق والخلق : تنشأ بين الحق والخلق في وحدة الشيخ ابن العربي علاقة تعجز عن الوصول إلى فصل مطلق أو إلى وحدة متجانسة ، ولكنها تجمعهما في تركيبSyntheseحيّ وتسعى إلى أن تفسر ، كيف ان “ الخلق “ قد استطاع ان يتداخل مع “ الحق “ . ويكون لحظة من هذا الحق المطلق 1 [ من حيث إنه مجلى ] ، دون ان ينتفي عنه اسم الخلق . وقد كان هذا الموقف السبب الأول في خلق مصطلحات أمثال : حق خلق ، حق خالق . . . راجع هذه المصطلحات . ونرى كيف ان وحدة حكيم مرسية تؤلف الاضداد العينية ، في كلّ حيّ يجمعها دون ان يلغي أحدها ، وتخلق هنا مفردات وكلمات جديدة ، أمثال : حق في خلق ، خلق في حق [ راجع هذه المصطلحات ] ، تعبر عن الوحدة التي انتهى إليها ، والتي هي في الواقع تركيب جدلي حيّ ، ورؤية حركية لوحدة عينية ملموسة ، نتجت عن حركة جدلية من خلال اثنينية كلاسيكية . ..........................................................................................( 1 ) هنا تظهر كل لغته الجديدة في التجلي والخلق والظهور والفيض والفتح والمرايا والصور ، وما إلى ذلك . فليراجع كل من هذه المفردات في أماكنها . 2 - الوحدة والكثرة : وكما ألّفت ديناميكية تفكيره بين الحق والخلق في كلّ واقع حيّ ، نرى انها نفذت إلى الوحدة والكثرة بشكل مماثل . فقد نظر الشيخ ابن العربي إلى الكون في المرحلة الأولى ، نظرة نستطيع ان نصفها بأنها فطرية ، لمس فيها كثرته . اذن كثرة مشهودة . ثم لم يلبث في المرحلة الثانية ، ان دقق النظر والفكر في الكون فلمس وحدته المعقولة ، خلال كثرته المشهودة . اذن وحدة معقولة . اما في المرحلة الثالثة ، فقد توصل إلى تركيب جدلي حيّ استوعب النتيجتين السابقتين بتفاعل معين ، لا يلغي ايا منهما . وهكذا ظهرت مفردات أمثال : وحدة في كثرة ، كثرة في وحدة ، الواحد الكثير ، والكثير الواحد [ راجع كلا من هذه المصطلحات ] .3 - التنزيه والتشبيه : كل ثنائية كلاسيكية انقسم إليها الفكر قبل الشيخ ابن العربي ، نرى انه يتبنّاها حديّ تركيب جدلي . وانطلاقا من هذه القاعدة - لا نقول إنها عامة كي لا نخالف مبدأ التدقيق العلمي ، وان كانت كذلك - يستطيع القارئ ان يتكهن الكثير من نظرياته ومواقفه حتى التي لم يتسنّ له مطالعتها . وبصدد التشبيه والتنزيه ، نظر الشيخ ابن العربي في النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة فرأى ، في المرحلة الأولى إشارات إلى تشبيهه تعالى بالمخلوقات . فقبل التشبيه . ثم في مرحلة ثانية ، تدخّل الفكر ليقدس الحق ، وينزهه عما لا يليق به تعالى ، مما قد يستشف منه تشبيها بالمخلوقات . فقال بالتنزيه . ثم في مرحلة ثالثة تفاعلت مقدماته بحركية أضحت معروفة ، ومن مميزات تفكيره الديناميكي الحيّ لتؤلف : تنزيها في تشبيه ، وتشبيها في تنزيه . ولكن هاتين العبارتين لا تشفان عن كنه رأيه ، الذي هو ليس جمعا وتوفيقا أو تلفيقا ، بل هو تركيب أصيل يبرز عند تعمق دراسة نظرياته وتفهمها .وهكذا خلال هذه الأمثلة البسيطة ، نستطيع ان نلمس الأسس المحركة لتفكير الشيخ الأكبر ، دون ان نخوض في نظرياته بل نعرفه إلى القارئ بايجاز يوضح غموضه ، ونضع بين يديه ، إلى جانب ما جاء في المعجم من مفردات - الخيط الجامع حبات تفكيره الفذّ .خطة بحث المفردات ابتدرت بحث كل كلمة بمعناها اللغوي المستقى من أحد المعجمات ، ليتسنى للقارئ ان يلمس مدى اقتراب الشيخ ابن العربي وابتعاده في الوقت نفسه عن المعنى اللغوي للكلمة . فقد جعلت المعنى اللغوي ، في بساطته المقصودة مرآة لاصطلاح الشيخ الأكبر . وتحددت بمعجم واحد تقريبا هو معجم مقاييس اللغة ، لاحمد بن فارس لما يتمتع به من مزية منطقية ، إذ جمع إلى ايجازه شمول كل الأصول التي يمكن ان تتفرع إليها الكلمة . ثم ثنّيت المعنى اللغوي بمعنى الكلمة في القرآن . وقد حاولت الا ارجع قدر الامكان إلى كتب التفاسير الكثيرة وذلك على عمد ، لان كل من انبرى لمحاولة تفسير القرآن ، كان يراه بمرآته هو ، ومن خلال تجربته هو ، ويفسره بالفن الذي برع به . فنغرق إذ ذاك في بحث قرآني يخرجنا عن مقصودنا . لذلك بذلت جهدي حتى أورد معاني الكلمة من القرآن ايرادا بسيطا صافيا ، لا تشوبه النظريات ولا يفرّع عملي إلى مصطلحات جديدة تثنّي المصطلحات موضوع معجمنا . وأخيرا في القسم الثالث ، حاولت تحديد مضمون الكلمة عند الشيخ ابن العربي ولم يكن ذلك ليحصل دون عناء ، لأسباب متعددة منها المادي ومنها الفني . ولعل السبب المادي الأكبر ، هو غزارة نتاج متصوف مرسية ، إذ بلغ من ضخامة نتاجه ان افراد له عثمان يحي رسالة دكتوراة ظهرت في مجلدين تكلم فيهما على اعماله فقط . اما الصعوبات الفنية ، فاهمها اننا لا نلمس منهجا منطقيا في عرضه لنظرياته ، وربما كان هذا المنهج مقصودا لذاته ، كما أشار البعض [ أبو العلا عفيفي .مقدمة الفصوص ] وقد يكون عدم ترابطه صورة عن الواقع الذي نشأ عنه ، إذ ان معظم كتبه كانت جوابات عن سؤالات سألها أحد تلاميذه ، أو جوابا عن رسالة ارسلها اليه أحد أصحابه ، فهي اذن ، لم تكن مقصودة لذاتها ، وربما كان الشيخ ابن العربي لم يدون بعضها . بل كان يمليه على اتباعه باستطراد الأحاديث العادية ، التي يتسامر بها جماعة في مجلس ما . وقد تخطينا ما تقدم ، بعزل كل النصوص التي يرد فيها المصطلح موضوع البحث على حدة ، ثم قارنا بعض هذه النصوص ببعضها ، واستخلصنا من ذلك المراحل التي مرت بها مضامينها ، فقسمنا بالتالي مضمون المصطلح إلى نقاط ، تتعدد بتعدد المراحل المذكورة . وقد ابتدرنا كل نقطة بتعريف مختصر يبين معنى الكلمة ، وحرصنا ان يجمع هذا المعجم الكثير من نصوص الشيخ الأكبر ، ليستنى للقارئ ان يعيش مفاتن لغته الجديدة وينفذ إلى عمق تعبيره عنها : فألحقنا كل تعريف بشاهد أو عدة شواهد من نصوصه ، التي تدعم ما أوردناه مقتصرين في شروحنا لهذه النصوص على الغامض منها . ولعل السبب الأهم في ايرادنا هذه الشواهد في كل نقطة ، هو ان الكلمة أو المصطلح بحد ذاته لدى تعريفه يتحول إلى معنى فارغ من كل مدلول بالذات . وهذا المعنى الفارغ لا يأخذ مدلوله بالذات الا في نص . لذلك عددنا النصوص معيدين بذلك “ المفرد “ إلى دلالاته ، إلى طبيعته التي فقدها عند عزله وتحديده .استيعاب الكلمات : والآن نسأل ما نتيجة صبرنا خلال سنوات حاولنا فيها فك طلاسم شيخنا الأكبر ، وتتبع التجربة الصوفية في سلوكها ومفرداتها ؟ الواقع ان عملا كهذا ، لا يعتبر كاملا ، وذلك نظرا لضخامة المشروع . فمعجم صوفي تنتقي مفرداته من قمة تفتح التجربة الصوفية واللغة الصوفية ، في اطلالتها على الفلسفة بأنواعها والفلك والجفر و . . . يجعل عملا كهذا في حكمالمشروع الانساني ، يضاف إلى ذلك غزارة نتاج الشيخ الأكبر إذ ان فتوحاته تزيد على ثلاثة آلاف صفحة فقط ، والوصول إلى مرتبة كمالية في عمل مماثل ، يتطلب جهد جماعة من الباحثين لأنه عندئذ قد يستوعب عشرات المجلدات ، إذ انه لا يقل في شيء عن القديس توما الاكويني الذي استغرقت مفرداته أربعة وعشرين مجلدا ، كل منها في حوالي سبعماية صفحة من القطع الكبيرIndex thomisticus. ولكن هذا المعجم وان لم يكن كاملا ، الا انه يعتبر خطوة علمية موضوعية . وبدء طريق قد نترافق بها ، ونكمل الدرب ما اتسع لنا السير فيه . وأخيرا ، نضع صفحاتنا هذه بين يدي القارئ ينبض كل حرف فيها في صراحة ، بتقديرنا وحبنا لهذه الشخصية الفذة التي تألقت عبر نضج تجربتها الصوفية باصالة عربية حقيقية ، والتي استطاعت بصدق نبراتها ان تسد مسام الثغرة التي تفصلنا عن القرن السادس الهجري ، وتمدنا بذاك التواصل الحقيقي مع تراثنا العربي وحضارتنا الشرقية . لا نكاد نجد بين مفكري الاسلام ، من تفتح هذا الدين في دمه فكان تجسيدا لتعاليمه وتحقيقا لجزئياته كهذا الانسان القادم من مرسية . الذي استحق لقبه “ محي الدين “ . بسيطا في انقياده ، راسخا في رؤيته ، اعطى القرآن ذاته فانسكب حرفا حرفا في كيانه ، ساترا بالصفات المحمدية ما كان من صفاته . فنرى الاسلام في كلماته حيا نابضا يجري في عروق الكون ، ونتلمس النبوة كأنها الآن أطلت من الغيب بالتشريع الاسلامي . فمن كان الاسلام منه في الصدر بهذا الموقع فهو لا يخشى الكلمة [ كثيرا ما يخشاها المنافق ، لأنها تفضح صدق أعماقه ] . لذلك تأتي أحيانا في الاذن الغريبة على عالمه وفكره ، البعيدة عن منطلقاته ، شاذة الوقع منكرة ، يجفل قارئها خوف ملامستها حدود الكفر . وما بين بساطة أعماقه الراسخة ، وخصوصية دلالة مفرداته ، توالت التصانيف زاهية بين مدح وذم . وانقسم المشرق الاسلامي فريقين بين مؤيد له ومنكر عليه .وفي فرصة قريبة ، سنعود إلى دراسة هذا التيار الصوفي الفكري الحيّ ، ليس في جزئيات مفرداته ، بل في كليات نظرياته . ونعلن امام الفكر الانساني اجمع تحدي ابتكار الشيخ الأكبر - على الرغم من القرون التي تفصلنا - لحصيلة ثقافتنا الشرقية والغربية المعاصرة . الدكتورة بيروت 1981
نسخة ورقية
كتب أخرى
Theory and Applications of Ontology_ Computer Applications
Theory and Applications of Ontology_ Computer Applications
مهارات الاتصال لطلبة التحضيرية
مهارات الاتصال لطلبة التحضيريةإعداد : قسم مهارات تطوير الذاتالناشر : جامعة الحدود الشمالية - السعوديةالطبعة الثالثةسنة النشر : 2018
علم نفس النجاح - براين تريسي
علم نفس النجاح - براين تريسيتفريغ وتعريب لستة أشرطة قدمها المحاضر العالمي برايان تريسي في علم نفس النجاح وتتناول : تكوين صورة إيجابية للنفس. تحمل المسؤولية وتسلم القيادة. برمجة نفسك من أجل النجاح. الأهداف والوصول إليه...
Herbert Spiegelberg The Phenomenological Movement
TABLE OF CONTENTSVOLUME ONEList of Illustrations [XIX]Preface [XXI]IntroductionI. The Phenomenological Movement Defined2. Pseudo-PhenomenologiesA. Extra-Philosophical PhenomenologiesB. Philosophical Phenomenologies3. ...
ألي الذي أكره
تأملات حول التعافي من إساءات الأبوسن وصدمات النشأة
الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وأفريقيا
الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وأفريقياإعداد ونشر : شركة ارنست ويونغ للخدمات الاستشارية الطبعة الأولىسنة النشر : د س ن