أمير وراء القضبان

أمير وراء القضبان

مساء يوم الخميس الموافق 10/7/2003 اجتاحني الحزن وخيّم عليّ الأسى بظل كئيب، عندما علمت بأن الشيخ علي باثير أمير الجماعة الإسلامية الكردستانية ومجموعة من رفاقه قد اعتقلوا من قبل القوات الأمريكية، عند قرية (قمجوغة) على طريق (السليمانية – دوكان)، وهم يذهبون لتلبية دعوة للاجتماع بعدد من مسئولي القوات الأمريكية، في مصيف دوكان. لم يكن أساي كامناً في أنني كنت المنظّم لذلك الاجتماع مع الأمريكيين وحسب، حيث اتصل بي الأمريكيون وحددوا موعدا ومكانا للاجتماع، وبدوري أوصلت طلبهم إلى الأستاذ علي باثير شخصيا، والأخوة في القيادة، وقد وافقوا من جانبهم، لم يكن ذلك هو همي الوحيد، فأنا من دون الكثيرين، عندما يطرأ طاريء ما، أو عندما يقع مسلم في معضلة ما، كالاعتقال والتعذيب مثلاً، في أي بقعة من بقاع الأرض، ينتابني حين ذلك القلق والهواجس. وأَغدو لذلك المسلم مهموما، ولو كان بالتفكير في حاله أو الدعاء له، أما في حالة الأستاذ، فقد كان همّي أكبر من ذلك، لأن حادث اعتقاله كان منطويا على إشارات ومعان ومدلولات كثيرة، فهو إجحاف ومجافاة للعدالة بحق إنسان، وذكرني الحادث بالقوانين والأعراف الدولية، فكان بعض ذلك آلم من بعض، ولم أكن الوحيد الذي حزّ في نفسي المصاب، بل حزّ في نفوس الكثيرين، لأن الإنسان ينبغي أن يعامل وفق ما تقتضيه إنسانيته. حادث الاعتقال والاضطهاد هذا، كان نقطة شروع مهمة في الحديث بصورة موسعة عن المشروع الامبريالي الأمريكي في كردستان العراق كأي بلد حر ومحب للإنسانية، وكذلك في العراق والمنطقة وسائر دول العالم. فلابد من طرح السؤال: إلى أي مدى تؤمن الولايات المتحدة بالتحالف مع قادة الكرد الذين ما ينفكون يتحدثون عنه بين الآونة والأخرى؟ أو السؤال عن مدى جدية الأمريكيين في إعادة الحقوق المشروعة للشعب الكردي والمسلوبة من قبل الحكومات المتعاقبة في العراق، واقلها أن يعرف موقف أمريكا من مسألة إِعادة كركوك وباقي المناطق المحررة ويوضع على طاولة البحث، وبعد كل هذا، الحديث عن حملات الإبادة التي تقوم بها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وكذلك ما يحدث من تعذيب منظم في معتقلات (غوانتانامو) و (باغرام) و (أبوغريب). وكان يمكن أن يأخذ الحادث بُعداً إقليميا و دوليا، فلم يكن الأمر متعلقا بشخص واحد، أو بأفراد محددين داخل جماعة إسلامية، حتى يتم التعامل معه في ذلك النطاق الضيق، فهذا الحادث لم يكن أقل شأناً من تلك الفضائح التي تتكشف وتدوي في ارجاء العالم، على أيدي العسكريين والسياسيين والدبلوماسيين وأجهزة الاستخبارات الأمريكية وحلفائها، لم يكن هذا الحادث إهانة لشخصية إسلامية، بقدر ما كان إهانة ضد كل فرد كردي وعلى رأسهم السلطة الحاكمة، لأن الحادث إنما تم تدبيره في حدود تلك السلطة الكردية، ويا للأسى، لم يَحْدُثْ شيء من ذلك كله، بَلْ أخذ الحادثُ طابعا داخليا إلى اليوم الذي أفرج فيه عن الأخوة، وحتى عملية الإفراج عنهم وتحريرهم أيضاً أخذ طابعاً داخلياً. وقد كانت هناك دوافع بعينها وقفت وراء ما ذكرناه آنفا، منها: أولا: أن أحداً من القيادات الكردية لم يكن مستعدا للقيام بعمل كهذا، أولاً بسبب نظرتهم السياسية، ثم بسبب كون إدارتهم وسلطتهم قد انصهرت في بوتقة المصالح الأمريكية، فلم يكونوا على استعداد -بحال من الأحوال – أن يُغضبوا أمريكا منهم. ومما كان يبعث على الأسى والأسف، ان السلطة الكردية، بكل إعلامها وكوادرها وأجهزتها، كان أعماها عشقها الأعمى لأمريكا، ومنعها من أن تقف محايدة، وأن تقوم بتغطية الأخبار والتطورات والنشاطات المتعلقة بالحادث بما ينسجم مع الإنصاف، بل كانت عامل ضغط إضافي على الجماعة الإسلامية. ثانيا: أما قيادة الجماعة الإسلامية فإضافة إلى الضغوط السياسية والأمنية والمالية المفروضة عليها والتي أرهقتها واشغلتها، كان يتعرض الكثير منهم أحياناً للتشريد والطرد من مناطق سكناهم، أو كانوا يجدون أنفسهم في السجون الأمريكية، وذلك إضافة إلى قلة التجربة والمقدرة في ذلك الصدد، فَلَمْ يقدروا على النهوض بذلك العمل، ولم يتمكنوا من إيصال الظلم الذي لحق بهم إلى العالم، أو تشكيل ضغط على السلطة الأمريكية في العراق لإرغامهم على الافراج عن هؤلاء الأعزاء. وبالرغم من كل هذا لا يجدر بنا أن نغمض أعيننا عن حقيقة أن تلك القيادة نفسها (مع مجموعة من الكوادر التي لا تعرف الوهن) كانوا يواصلون الليل بالنهار للحفاظ على الجماعة الإسلامية وإخراجها مما كانت فيه من وضع مضطرب، أو ما أُعد لها من وضع مضطرب، ولقد كان الاضطراب والتدهور شمل كل المجالات الاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية والإعلامية، فجهودهم كانت محدودةًً على كل حال، مثلاً: لم يدفع إلى الجماعة الإسلامية أية مستحقات مالية لما يربوا على سنة كاملة، أضف إلى ذلك الاعتقالات والمطاردات وأحياناً اغتيال بعض أفرادها، وبالنتيجة استطاعت الجماعة- بعون الله تعالى، ثم بمساعدة المسلمين في كردستان – ودون أن تتنازل عن أيّ من أسسها التي تأسست من أجلها، أن تواصل الحفاظ على كيانها، وأن تثبت وجودها وخصوصاً بعد مشاركتها في الانتخابات، فاستطاعت أن تكسر الحصار الظالم المفروض عليها. ثالثا: هذا، ولا يفوتنا أن نذكر، ان الفضائيات وأجهزة الإعلام العربية، بكل أنواعها، الأهلية منها والحرة، لم يولوا الحادث نصف ما يولونه من اهتمام باعتقال أو اغتيال شخصية عربية، سواء كانت إسلامية أم غير ذلك، لم يعيروا الحادث أي اهتمام، مع أن بعض هؤلاء الأخوة كان أكثر شهرة من كثير من الشخصيات العربية، ان بحث مو اضيع من هذا القبيل في تلك القنوات كان ولا ريب يكون لها صدى واسعٌ ويكون تعريفاً مهماً بالحادث للعالم والشخصيات والأجهزة ذات الصلة بالموضوع، وكان يمكن بِسَـبِبه تشكيل ضغط على السلطة الأمريكية في العراق. رابعا: فيما يخص الكتاب والمثقفين الكرد، فكان غالبيتهم العظمى موزعين على الأطراف والأحزاب السياسية، وكان رأيهم مشابهاً لرأي المسؤولين السياسيين، فهم كان يفكرون ويتحدثون، كما يفكر القادة ويصرحون، وباستثناء قلة منهم، فلم تكن لهم مواقف مشرفة، ويضاف إلى تلك القلة، أعداد قليلة أخرى من الكتاب المستقلين الذين أشاروا في كتاباتهم إلى العمل البربري الأمريكي بحق الأخوة. ولكن تلك الكتابات والآراء التي صرحوا بها، ما كانت لتقوى على إيصال الخبر إلى خارج حدود كردستان. يضاف إلى تلك المحاولات المحدودة التي تمت من اجل الدفاع عن الأستاذ ورفاقه، والتي لم تكن في المستوى المطلوب، الدور المهم الذي لعبته الجماهير المسلمة في كافة أرجاء كردستان – وفي بعض الدول الأوروبية  عموماً، والجماعة الإسلامية خصوصاً، في الجهود التي بذلتها إبان اعتقال الشيخ علي باثير ورفاقه. وقد تجسدت تلك الجهود بما يأتي ذكره: * المسيرة الجماهيرية في مدينة أربيل في 21/7/2003 والذي قدر عدد المشاركين فيها بحوالي 15-20 ألف شخص. * المسيرة الجماهيرية في مدينة السليمانية وضواحيها في 2/8/2003 والتي قدرت بخمسين ألف شخص. * وأقيمت في 7/8/2003 مسيرة في مدينة لندن من قبل الجالية الكردية هناك وأعضاء الجماعة الإسلامية، شارك فيها العشرات. * هذا، وقد جُمعت آلاف التواقيع من كافة طبقات و شرائح المجتمع الكردي في حملة لذلك الشأن. * وعقد في مدينة السليمانية مؤتـمرٌ بعنوان (مؤتمر التضامن للإفراج عن الشيخ علي باثير) وقد شاركت فيه كثير من الشخصيات الحزبية، والثقافية، والاجتماعية، والدينية، وقُريء فيه البلاغ النهائي للمؤتمر ووجه إلى المؤسسات المختصة. فكما أن الضروريات الأربعة التي اشرنا إليها آنفا لم يتم القيام بها في حينها، لتحويل عملية الاعتقال إلى حدث إقليمي و دولي، فلاشك بأن هذا الكتاب أيضاً لن يكون بمقدوره أن يعوِّض كل التقصير الحاصل في هذه المسألة وأن تساهم في نشر الخبر في طول العالم وعرضه، أو أن يُساعد المعتقلين بعد الافراج عنهم بشهور عديدة برد الاعتبار لهم، وإنما يعد هذا الكتاب محاولة متواضعة لكشف الحقائق التي كان ينبغي الحديث عنها في وقتها، وهو من جهة أخرى، سرد لأحداث استغرقت اثنين وعشرين شهراً من اعتقال الشيخ علي باثير على لسانه، وهو ليس تحقيقاً حول المعاملات اللا إنسانية واللا أخلاقية والمتعارضة مع الشعارات التي تَروِّجُ لـها القوات الأمريكية في أنحاء العالم. وربـما امكن الكتابة عن ذلك الموضوع بعد الاطلاع على ما جاء في ثنايا هذا الكتاب، فهذا الكتاب حري به أن يكون مصدراً من المصادر التي يمكن الاعتماد عليها، ولا احسب أن هذا الكتاب يقل أهمية عن التحقيقات والكتب التي الفت عن معتقلات: "غوانتانامو" و"باغرام" و"أبو غريب" والسجون الأخرى من حيث المعلومات الواردة فيه، فالعقلية التي تتعامل بالبربرية المعهودة في (غوانتانامو) هي ذاتها العقلية التي تتعامل مع السجناء في "باغرام" و"أبو غريب" و"كروبر" والسجون السرية التابعة للمخابرات المركزية الأمريكية في عدد من دول أوروبا الشرقية والدول العربية. وعلى كل حال فنحن لا نستطيع في هذه المقدمة المقتضبة أن نتناول كل المواضيع التي كان ينبغي تناولها في وقتها ولم يَحْدُثْ، ولكن بإمكاننا أن نقوم بتحليل العقلية وأسلوب التفكير الأمريكي.. في ظل حقوق الإنسان وحريات الفرد والمجتمع التي أصبحت شأنا عالميا، بعد أن ظلت في القرن الماضي شأنا وطنيا محصورا إدراكه في قلة من المفكرين الإصلاحيين، وانتقلت العناية بهذه الحقوق من ميدان المبادئ الأخلاقية والنظريات الفلسفية والأيديولوجيات السياسية والاجتماعية إلى ميدان الممارسة الواقعية من جانب الأفراد والجماعات البشرية[1]. بهذه الصورة يمكن تحليل عقلية وتفكير الإنسان الأمريكي، ثم نتساءل: تُـرى ماذا ينبغي فعله تجاه الإهانات الصادرة من أمريكا ومن حام في فلكها من الدول الحليفة لها ضد الإنسان وحقوقه؟ بعد انتصار المعسكر الغربي الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية اتجه هذا المعسكر نحو محاولة فرض فهمه الخاص لحقوق الإنسان والديمقراطية على المجتمع الدولي باعتباره المفهوم الأصلح و الأقدر على البناء.. وفي هذا الصدد يشير بعض الباحثين إلى منحى الولايات المتحدة.. إذ إنها منذ انتهاء الحرب الباردة وهي تتجه نحو النظر إلى حقوق الإنسان كمصلحة قومية أميركية[2].. وهذه الحقائق مجتمعة، وخصوصاً ما أعقب الحرب الباردة ووصولا إلى يومنا هذا وكذلك الحصار الاقتصادي المفروض على العراق وحروب أفغانستان والعراق والعديد من التدخلات الأخرى في شؤون وصراعات الدول، والتي هي أوضح من الشمس في رابعة النهار، أثبتت بأن هذه النظرة المصلحية جعلت أمريكا تنتهج سياسة الكيل بمكيالين حيال القضايا الموجودة في العالم، وان نظرة عابرة إلى القضية الفلسطينية تظهر لنا هذه الحقيقة. ومن جانب آخر، فان هذا الاستخفاف بالإنسان، والنظرة المحتقرة إلى روحه، ليست مرتبطة بالمظاهر الخارجية والمقدرة التكنولوجية والعسكرية الأمريكية وحسب، لكي تصاب فتبدأ في اصطياد البشر والدول على هواها، ولو اتخذت من احد السجون الأمريكية مثالا، لتبين لك بأن هذا الاستخفاف بأرواح البشر وأجسادهم، بقدر ماله علاقة بصلافة الجندي وعجز السجين أو الأسير، فان له علاقة أضعاف ذلك بالتركيبة العقلية والتفكير لدى الإنسان الغربي والأمريكي الذي اشرب قلبه بالانقطاع عن القيم المطلقة والنظرة المادية المحضة للأشياء، هذا التفكير، وهذه النظرة الأساسية، لم تكن منبع كل إهانة بأجسام البشر وحسب، بل كانت المنبع الذي انبثق منه الاستخفاف بروح الإنسان ومشاعره بالدرجة الأولى، وكذلك لم يكن ذلك موجها إلى روح المقابل وجسده، بل كان الأمريكي نفسه ضحية لتلك الآراء والتصورات التي تظهر بمظاهر شتى مثل: العلمانية، والحداثة و.. الخ، والله سبحانه وتعالى يقول: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) الحشر/19. ولاشك بأن نسيان الله تعالى ومنهجه في إدارة شؤون الحياة وكيفية التعامل مع الآخر، يؤدي –أول ما يؤدي- إلى خسران الذات قبل أي شيء آخر. "ففي عالم متجرد من القيمة تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثَمّ تصبح كل الأمور نسبية، وحين يحدث ذلك فإنه يصعب الحكم على أي شيء، ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر وبين العدل والظلم، بل وبين المطلق والنسبـي، وأخيراً بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمادة. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن أن تحسم النزاعات والصراعات، وكيف يمكن أن نسوّي الخلافات، وهي كلها من صميم الوجود الإنساني؟ في غياب قيم مطلقة، يمكن الاحتكام لها، يصبح الإنسان الفرد أو الجماعة العرقية مرجعية ذاتها، وتصبح ما تراه في صالحها هو الصالح وما ليس في صالحها هو الطالح"[3]. لو كان صاحب السلطة يؤمن بالقيم والمثل الإنسانية العليا- على أقل تقدير– وكان معتقداً من أعماقه بأن هناك قيماً مطلقة في الحياة، وأنه ليس مركز الكون والأشياء جميعاً، حينئذ لم يكن أي إنسان في ظل تلك السلطة يتعرض للإهانة النفسية والجسدية، بل كان الجانب الأول كلما ازداد قوة وسلطة، زاد تسامحاً و شفقة ومراجعة لنفسه. فمثلاً: في العصور التي كانت السلطة الإسلامية في أوج قوتها، وخصوصاً في المراحل الأولى، عندما كان المسلمون ينفتحون بوجه كثير من القوميات والأمم المختلفة، أو عندما كانوا يتواجهون في ميادين القتال، لا تلاحظ – بحال من الأحوال – قتلا مبرمجاً بغير حقه، أو تعذيباً وعقوبة لا تستوجبها الشريعة، كالتعليق على أعواد المشانق والاعتقالات الظالمة، بل إن كثيراً من الأسرى- في مقابل قضاء حاجة يسيرة للمسلمين – كانوا يحررون معزّزين مكرّمين، أو كانوا يُسلمون ويبقون في صفوف المسلمين. ليست جديدة على التأريخ.. هذه (الحالة) ألتي يمر بها (بوش) منذ واقعة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).. مر بها السابقون، وسيعانيها اللاحقون.. إنها الصراع الأبدي بين الحكمة والقوة والإرادة التي تعرف كيف تمسك العصا من وسطها.. أو تضعف فتنساق وراء إغراءات القوة، متجاوزة كل حيثيات الحكمة التي هي صمام الأمان لإنسانية الإنسان وحقه في الحياة والاستمرار.. والذي يحدث الآن أن أمريكا، مدفوعة بَِرَدِّ فعلٍ هائل إزاء ما حدث في سبتمبر، وبرغبة عاتية لاسترداد الكرامة التي جرحت في أعز ما تملكه الولايات المتحدة.. ومن خلال مرتكزيها الأساسيين المال والقوة.. ومن وراء هذا وذاك، كل عوامل ومؤثرات الصراع المتطاول بين الغرب والشرق.. وبين (الصليبية) والإسلام.. مشحونة بنفثات المكر اليهودي الذي جبل على إشعال نار الحرب بين الأمم والشعوب.. والإفساد فيها.. أمريكا تندفع اليوم، وقد أفلتت من بين يدي قيادتها كل (فرامل) الحكمة، لكي تسخر آلتها العسكرية الهائلة، ضد أهداف في جغرافية عالم الإسلام حدد بعضها ولم يحدد بعضها الآخر.. فيما السعار يزداد شراسة، والتوعد بالويل والثبور تزداد نبرته ارتفاعاً يوماً بعد يوم..[4]. لقد أصبح جزءٌ كبيرٌ من العالم -في ظل الهيمنة الأمريكية- مقبرة لتحنيط الأموات، تَفُوحُ منه رائحة الأجساد الخاوية، أشكالهم لا تشبه – أبداً- أشكال الآدميين الأسوياء، وفي ظل الخيمة السوداء التي نصبتها أمريكا، لابد للإنسان، والمجتمع، والمؤسسات، والدول، أن يختاروا ما بين الأسود والأبيض الذين حددهما بوش الابن، وليس لهم بعد ذلك خيار ثالث. ولكون القوة الأمريكية الغاشمة ليست مستندة إلى القوة الغيبية، ولا تتقيد بأية قيم إنسانية وأخلاقية، ولا تلتزم بأية اتفاقيات دولية تشم منها رائحة حقوق الإنسان وسلامة البيئة و.. الخ - إلا ما وافقت مزاجها وتفسيرها – فإنها قبل ان تقرب ساعة الدمار لأجزاء كبيرة، من العالم وفي مقدمتها العالم الإسلامي، تكون قد خطت خطوات حثيثة نحو تفكيك نفسها والتصدع الحتمي لبنيانها. ولئن كنا أسهبنا قليلاً في التحدث عن النظرة الأمريكية الحالية لحقوق الإنسان، فقد وجدنا أنفسنا مضطرين لذلك، فلا يمكننا التحدث عن حادث اعتقال واختطاف عدد من المواطنين والشخصيات الكردية بمعزل عما تقترِفه أيادي الرجالات الأمريكية على الصعيد الرسمي أو بمعزل عن الأفكار التي تراود الإنسان الأمريكي والغربي والمتأصلة جذورها في أذهانهم، وكذلك فان الحديث عن اعتقال الشيخ وإخوانه، يُعد ضربا من العبث والعمل غير المستند إلى أساس، إذا لم يتزامن مع الحديث عن مفهوم الأمريكيين والغربيين للديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وخصوصاً حقوق الإنسان المسلم والشرقي. والسؤال الرئيسي هنا: ماذا ينبغي القيام به في التصدي للإهانات التي تمارس بذريعة نشر الديمقراطية والتسامح واحترام حقوق الإنسان والحريات، وغيرها من الشعارات البراقة؟ والحق ان هذا السؤال لا يطرح مرادفاً لعدم القيام بأي شيء في هذا الصدد لحد الآن، أو أن شخصيات ومنظمات لم يفكروا في إيجاد حل لهذا السؤال، بل لقد تم القيام بخطوات جريئة من قبل المنظمات والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وان بعض هؤلاء هم من الأمريكيين ويعملون داخل المجتمع الأمريكي نفسه. وللخروج من هذا المأزق وتأمين احترام حقوق الإنسان فإن على المفكرين والمثقفين وأصحاب الضمائر الحية أن يقوموا بواجباتهم، وأن تأخذ الدول والكيانات السياسية بمبادئ حقوق الإنسان ذات الإجماع الإنساني والعالمي والديني، كالمساواة أمام القانون، وفض الخلافات بالتفاهم والسلم، ورفض إقامة قواعد وأحلاف عسكرية، وإسناد إدارة ثروات البلدان إلى شعوبها. فإذا ارتقى الجميع إلى مستوى المسؤولية حينئذ لا يُعتقل أحد ولا تُسلب حقوقه ظلماً، بلْه أن يكونوا في مستوى الأستاذ علي باثير ورفاقه.     هاوذين عمر  السليمانية 20/2/1427ـ20/3/2006     [1]) حقوق الانسان... الرؤى العالمية والاسلامية والدينية. مقال في موقع الجزيرة نت. [2]) المصدر نفسه. [3]) الحداثة ورائحة البارود، الدكتور عبدالوهاب المسيري. مقال في موقع (المسيري) على شبكة الإنترنت. [4]) الدكتور عمادالدين خليل، مذكرات حول واقعة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، خواطر في مقالات قصيرة، ص 11-13.
physical copy

More Books

حكايات: قصص قصيرة
حكايات: قصص قصيرة
حكايات: قصص قصيرة علي مصطفى المصراتي سما للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى 2005م المحتويات بنسيون البطة العائمة انت مرشح للوزارة صلعة في روما ايهما اصح نظرا برنوس هدية فض الشراكة مباراة في البوس هل عندك ديب قط...
الزواجر عن إقتراف الكبائر - الإمام ابن حجر الهيتمي - دار اللؤلؤة - 2021
الزواجر عن إقتراف الكبائر - الإمام ابن حجر الهيتمي - دار اللؤلؤة - 2021
يبين ابن حجر في كتابه "الزواجر عن اقتراف الكبائر" الكبائر وما يتعلق بها حكماً وزجراً ووعداً ووعيداً. وقد رتبه على مقدمة وبابين جاءت المقدمة في تعريف الكبيرة وما وقع للناس فيه وفي عدّها وما يتعلق بذلك، وأما البابان فكا...
سلوك المستهلك المعاصر
سلوك المستهلك المعاصر
سلوك المستهلك المعاصرتأليف : منير نوريالناشر : ديوان المطبوعات الجامعيةالطبعة الأولىسنة النشر : 2013
History of the Dvaita School of Vedanta and its Literature -  B.N.K.Sharma
History of the Dvaita School of Vedanta and its Literature - B.N.K.Sharma
This is the PDF of History of the Dvaita School of Vedanta and its Literature in English language and script by B.N.K.Sharma. The book is considered to an encyclopedic work on the linage of Dvaita Philosophers and its...
جعفر عباس حميدي تاريخ العراق المعاصر
جعفر عباس حميدي تاريخ العراق المعاصر
كتب فكر وثقافة
حسن كمال كشري مصر (قصص)
حسن كمال كشري مصر (قصص)
حسن كمال كشري مصر