د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني

د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني

د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني. مستخرج من كتاب: "الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي"، مطبوعات أمينة الأنصاري، فاس، الطبعة الأولى: 2014م.   ملخــــــص الكتـــــــاب: يحيلنا الحديث عن خصوصية "التراث المغربي" على مظاهر (السيادة المغربية) في كافة تجلياتها التاريخية والسياسية والاجتماعية والدينية. ومعلوم أن "السيادة" مفهوم يرجع - من حيث ظهوره - إلى بداية العصر الحديث، وتحديدا إلى القرن الخامس عشر تقريبا. وكلمة: "السيادة" (souveraineté)؛ هي في الأصل مفهوم فرنسي مشتق من الأصل اللاتيني: (superamus)، أطلق على جوهر السلطة السياسية في الدولة منذ القرن الخامس عشر، وذلك من خلال تعريفها وتحديد خصائصها و بيان مصدرها وصاحبها، وأصبحت هذه الأفكار تكوّن ما يُعرف بـ: "نظرية السيادة". ويُعدّ المفكر السياسي الفرنسي "جان بودان" (936 - 1004هـ/1530- 1596م) أول من نادى بمبدأ السيادة مستهدفا بذلك إثبات حق الدولة في البقاء. وفي مرحلة لاحقة، تأثر "النظام الويستفالي" بمفهوم السيادة الذي وضعه جان بودان، وهو النظام المنسوب إلى صلح أو سلام "وستفاليا" (Peace of Westphalia) الذي تم إبرامه في سنة: 1058هـ/1648م، وذلك باعتباره أول اتفاقية دبلوماسية في العصر الحديث أرست "مبدأ سيادة الدول" من خلال (ترسيم) حدودها المعلومة، حيث سيشكل بذلك جوهر العلاقات الدولية لقرون طويلة. وعند حديثنا عن مفهوم "السيادة المغربية" نجدها ترتبط تاريخيا بـ: "نظام المخزن"، الذي تعود أصوله إلى "مرحلة الدعوة الموحدية" وتحديدا عهد (مهدي الموحدين) محمد بن تومرت (ت.524هـ/1130م)، الذي ربط هذا (النظام السياسي) الخاص في المغرب بشرعية "الخلافة" و"إمارة المومنين".       وبعد سقوط الدولة الموحدية سنة: 668هـ/1269م، تطور "النظام المخزني" من خلال تعاقب الدول التي حكمت بلاد المغرب بعدها، حتى أصبح نظاما ذا "خصوصية مغربية" ارتبطت - فيما بعد - بالدول التي أتت بعد الموحدين؛ بدءا بالمرينيين، ومرورا بالوطاسيين، ثم انتهاء بكل من السعديين والعلويين الذين سعوا لترسيخ تقاليد "النظام المخزني" - بحمولته التاريخية والسياسية - في دواليب الدولة ومؤسساتها. والجدير بالذكر أن "التقاليد المخزنية" لطالما كانت تتعلق في المغرب - ولاتزال - بـ: (استمرار) "الدولة المغربية". واستمرار الدولة المغربية، هو ما أفضى - عبر التراكم التاريخي المتواتر و المتسلسل - إلى تبلور مفهوم: (أصالة) "التراث المغربي"، الذي ستترسخ عوائده بشكل أكبر في المغرب بعد صعود المرينيين (الزناتيين)، الذين قاموا بإحياء مدينة "فاس الإدريسية" (فاس البالي)، فاتخذوها عاصمة لهم، وذلك قبل أن يقوموا ببناء (فاس الجديد)، الذي سيجعلون منه - في مراحل لاحقة - "مدينة مخزنية" شكلت مركزا لسلطتهم خارج أسوار المدينة القديمة لفاس. ويُعزى سبب اختيار المرينيين لمدينة فاس - دون غيرها - إلى كون هذه المدينة تُعدّ المنطلق (الزماني والمكاني) للدولة المغربية، وذلك منذ تأسيسها سنة: 192هـ/808م على يد الأدارسة (الحسنيّين) المستقلين بالمغرب عن التبعية للخلافة المشرقية (العباسية). فضلا عن ذلك؛ تميّز هذه المدينة بمكانة روحية و دينية في المغرب، حيث كانت - ولا تزال - هي مناط (الفاعل الديني)، بسبب احتوائها على "جامعة القَرْوِيِّين"، التي تُعدّ مجمعا فقهيا لأهل "الحل والعقد"، وذلك منذ تأسيسها سنة: 245هـ/859م خلال عصر الدولة الإدريسية، مما جعل منها أقدم جامعة في العالم على الإطلاق، وجعل من "حاضنتها" فاس (مدينة مالكية)، أوبالأحرى عاصمة "للمذهب المالكي" في شمال إفريقيا برمته. وبعد صعود "الدولة السعدية" أو(الدولة الزيدانية)، قامت - هي الأخرى - بإحياء عاصمة المرابطين والموحدين: "مراكش"، كما أحيى المرينيون - قبلهم - عاصمة الأدارسة: "فاس"، لما لذلك من بعد رمزي يؤكد على تواتر وتسلسل الدولة المغربية بشكل يدعو إلى الإعجاب، فصارت كل من فاس ومراكش - تبعا لهذا التسلسل الذي تؤكده كل الشواهد المادية - مصدرا للتراث المغربي، بصفتهما أعرق مدينتين مغربيتين؛ بهما، وفيهما، ومعهما، حُفظت "الدولة المغربية" كما حُفظ وجهها الآخر الذي يجسده "التراث المغربي" الذي لا يعدو أن يكون سوى صورة مجسمة للدولة المغربية و(تقاليدها المخزنية)، وهو التراث الذي ما كان له أن يظهر ويتميز بل ويتطور، لولا استمرار "الدولة المغربية"، ومعها "الأمة المغربية" إلى اليوم دون انقطاع. فقد حافظ السعديون على استمرار الدولة المغربية واستقرارها بحضورهم السياسي والديني الوازن، حيث استطاعوا القيام بترسيخ سيادة المغرب وتأكيد استقلاله، بل ووقفوا في وجه القوى المتوثّبة كالإيبيريين (اسبانيا والبرتغال) في الشمال، والعثمانيين في الحدود الشرقية للمغرب (إيالة الجزائر العثمانية). وحتى نؤصل تاريخيا ومفهوميا (أومفاهيميا) لخصوصية "التراث المغربي" الذي اقترن تبلوره أوّلا بتأسيس الدولة السعدية، وثانيا بصراع هذه الدولة مع الدولة العثمانية - التي كانت تروم فرض (ثقافتها التركية) على الإيالات التابعة لها - نشير إلى أن السعديين استطاعوا المحافظة على "سيادة" المغرب واستقلاله عن التبعية للدولة العثمانية. ليكون بذلك المغرب (الأقصى)؛ هو الناقل الحضاري الوحيد لتراث الغرب الإسلامي، والوارث الشرعي لعوائده وفنونه، خاصة بعد سقوط الأندلس سنة: 897هـ/1492م، ودخول كافة دول (شمال إفريقيا) - عدا المغرب - تحت سلطة العثمانيين منذ سنة: 922هـ/1516م، حيث تفرّد المغرب بمهمة تطوير تراث الغرب الإسلامي، وذلك بالنظر إلى الاستقرار السياسي الذي كان يعرفه. وهو الاستقرار الذي كان متذبذبا في كل من المغربين الأوسط والأدنى (الجزائر وتونس) بسبب القلاقل السياسية، التي طالت الأندلس أيضا بعد تفرق حكامها طرائق قددا، وتكالب (العدو المسيحي عليهم تكالب الأكلة إلى قصعتها). فلا مراء؛ أن عدم الاستقرار يعقبه ضمنيا عدم الاستمرار (السياسي والبشري والاقتصادي والثقافي)، ولأن هذا الاستقرار كان حاصلا في المغرب الأقصى (المغرب) منذ ما قبل السعديين، كان من البديهي أن يكون المغرب هو المدرسة التاريخية المحورية في تلك المرحلة، التي أخذت على عاتقها مسؤولية تطوير هذا التراث وبلورته، من خلال اختزال التجارب الفنية الإقليمية السابقة لدول "الغرب الإسلامي" (شمال إفريقيا والأندلس)، وبالتالي الإعلان عن ولادة ما يسمى في وقتنا الحاضر بـ: "التراث المغربي" بكافة تجلياته الحضارية، وحينما نستعمل مُسمّى: "التراث المغربي" فإننا نحدده بالمفهوم الإقليمي الضيق، الذي يحيلنا على المغرب الأقصى (المغرب حاليا)، وليس كما يحاول البعض تسميته في وقتنا الحاضر بـ: "التراث المغاربي". ونحن إذ نردّ هذا الإدعاء، نشير إلى أن التراث المغربي بدأ يعرف خصوصيته الإقليمية بشكل بارز منذ العصر السعدي، الذي سيشهد طفرة نوعية على جميع المستويات، وخاصة في عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م) الذي يعد أقوى سلطان سعدي على الإطلاق، حيث استطاع بحنكته السياسية تأسيس دولة مركزية قوية طبعت بظهور نظام حكم جديد في المغرب تعود جذوره الأولى إلى العصر الموحدي، ألا وهو: "النظام المخزني"، الذي أصبح نظاما ذا "خصوصية مغربية". من خلال ما سبق، يمكن القول إن ما قام به أحمد المنصور الذهبي الذي يعود له الفضل في توطيد أسس ومظاهر "النظام المخزني"، يبين الجهود التي بذلها السعديون في الحفاظ على خصوصية التراث المغربي وإقليميته وتفرّده وتميّزه عن التراث العثماني الذي فُرض على سائر الإيالات العثمانية، ولعلّ السعديين فعلوا ذلك؛ من منطلق استقلالهم السياسي أولا، وثانيا من منطلق تكوينهم لدولة قوية ذات سيادة، لها خصوصياتها التاريخية، وعوائدها الحضارية التي تميزت في كافة المجالات الأخرى التي ترتبط بمفهوم التراث وماهيته. وانطلاقا من دراستنا للوثائق المخزنية والعلامات السلطانية في المغرب، يمكن القول إن "العلامة السعدية" تُعدّ بحق من أبرز محددات "السيادة المغربية"، إذ كانت تتميز بشكلها الخاص، ورسمها المأثور، الذي استُخدم في الدواوين السلطانية بالمغرب منذ أواخر العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، حيث لاحظنا استعمالها في وثائق الدولة السعدية بشكل يختلف عن استعمالها في وثائق الدولة العثمانية والإيالات التابعة لها إلى حدود الجزائر. وإثر حديثه عن العلامات السلطانية المستعملة في المغرب منذ العصر المريني والعصور التي سبقته، قام أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر (725 - 807هـ/1325 - 1405م)، بتحديد نصوصها من خلال كتابه: "مستودع العلاَمة ومستبدع العلاَّمة"، وهو الكتاب الذي ألّفه للمرينيين، وتحديدا لصاحب العلامة المرينية: "يحيى بن الحسين بن أبي دلامة" كاتب علامة السلطان المريني أبي العباس أحمد المستنصر (ت.796هـ/1393م). والجدير بالذكر، أن ابن الأحمر كان يعتبر العلامة "شارة" أو(شعارا)، بدليل قولـه: "و العلامة تكتب بقلم غليظ القطة، وهي: شارة في الكتب [السلطانية] كالشهادة الشرعية في العقود". وعلى غرار ابن الأحمر، تحدث عبد الرحمن بن خلدون (732 - 808هـ/1332 - 1406م) - في العصر نفسه - عن تلك العلامات السلطانية انطلاقا من توليه لمنصب الكتابة عند كل من الحفصيين في تونس، والمرينيين في المغرب، فأكد لنا أن ما كان يُطلَق عليه: "علامة" في المغرب هو عين "الطغراء" في المشرق، ويؤخذ ذلك من قوله: "..الطغري.. هي: العلامة..". والتعبير عن العلامة بالطغراء أو العكس، هو أمر أكدته حتى بعض المصادر والمعاجم اللغوية في المشرق، ونخص بالذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ "تاج العروس" للزّبيدي (1145 - 1205هـ/1732 - 1790م) الذي ورد فيه أن: "طُغْرَى.. كلمة أعجمية استعملتها العرب، ويعنون بها: العلامة". وفي سياق آخر يتصل بالمعنى نفسه، أكد ابن خلدون في مقدمته؛ أن "العلامة السلطانية" هي: "التوقيع"، ويُستنبط ذلك من قوله: "..فيرسم [السلطان] الأمر للكاتب ليضع علامته، ومن خِطط الكتابة التّوقيع..". وقد زاد ابن خلدون على ذلك بذكر استعمالات لمسميات متعددة أهمها: "الخاتم" الذي خصص له مبحثا مستقلا؛ ذهب من خلاله إلى أنه كان يقوم مقام "العلامة"، حيث صنّفه من ضمن "الخِطط السلطانية والوظائف الملوكية". الأمر نفسه قام به أبو العباس أحمد القلقشندي (756 - 821هـ/1355 - 1418م) - المعاصر لابن خلدون - الذي جعله من "الآلات الملوكية". ويؤكد ابن خلدون أيضا أن الخاتم كان من "شارات الملك والسلطان"، وهي الشارات السلطانية التي تتنوع وتختلف من دولة إلى أخرى، إذ أن: "الملوك والدّول يختلفون في اتّخاذ.. الشّارات، فمنهم مُكثر ومنهم مُقلّل بحسب اتّساع الدّولة وعظمها..". وما يسترعي الانتباه، هو أن مصطلح: "علامة" العربي الذي كان مستعملا في كل من المغرب والمشرق، ظل حاضرا عند العثمانيين الأتراك - الذين تزامن تأسيس دولتهم مع أواخر الدولة المرينية وبداية الدولة الوطاسية - وذلك للتعبير عن "الطغراء" التي استُخدمت عندهم بشكل صريح وواضح مكتمل الهيئة، لا يقبل التأويل ولا يحتاج إلى التعليل. وقد أكد هذا الأمر؛ السفير المغربي علي بن محمد التمكروتي (941 - 1003هـ/1534 - 1594م)، من خلال سفارته، التي بعثه على رأسها السلطان السعدي: أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، إلى السلطان العثماني: مراد الثالث (982 - 1003هـ/1574 - 1595م)، حيث لم يورد في كتابه: "النفحة المسكية في السفارة التركية" ما يدل على أن "الطغراء" كانت تُعرف - عند العثمانيين - بهذا الإسم لذلك العهد، بل أشار إلى أنها كانت تُعرف عندهم تارة باسم: "علامة السلطان". وتارة أخرى تُعرف باسم: "النِّشان". ويُؤخذ ذلك من قوله: كان "رئيس الكتّاب..[عند العثمانيين هو المكلف بـ] كتْب العلامة .. فما قَبِله السلطان، أمره أن يضع فيه علامة السلطان، يقولون لها بلسانهم: النِّشان. ويقولون للكاتب الذي يضعها: النِّشانجي". وأضاف التمكروتي أن "الجيم عندهم [في كلمة: نِشانجي] بمنزلة ياء النسب عند العرب". ونحن نتفق معه في هذا التأويل، بل ونؤكد صحة المقارنة التي قام بها، بدليل أن العرب كانوا يطلقون على الموظف الموكل بـ: "النياشين" في الدواوين السلطانية؛ تسمية: "النِّشاني" كما يشير إلى ذلك محمد بن فضل الله المحبي (1061 - 1111هـ/1651 - 1699م) في: "خلاصة الأثر"، حيث يقول: "والنِّشاني نسبة إلى النِّشان، وهو: الطرة التي ترسم في أعلى الأوامر والبراءات السلطانية، ويقال لها: الطغرى أيضا..". وتشير بعض المصادر العثمانية إلى أن مصطلح: "النشان"؛ هو مصطلح فارسي انتقل إلى القاموس التركي المتعلق بالتنظيمات الإدارية للإمبراطورية العثمانية، ولعل هذا الرأي، هو ما دفع بعض الباحثين للتأكيد على أن لفظ: "طغراء" التركي مرادف - من الناحية اللغوية - للفظ: "نِشان أو نِيشان أو نِشانة" الفارسي، ومعناه: "علامة"، وهو مرادف - أيضا - للفظ: "توقيع" العربي. ومن خلال اطلاعنا على بعض الفرمانات العثمانية، تأكد لدينا أن "الطغراء" كان يُشار إليها باسم: "علامت شريف" بالتاء المبسوطة، أي: "علامة شريفة" وهي التسمية التي أوردها القلقشندي (756 - 821هـ/1355 - 1418م) في كتابه: "صبح الأعشى"، وبسط التاء في تسمية الأعلام ونعوت الصفات، كان معروفا لدى الأتراك الذين لايقفون على التاء المربوطة بالهاء بسبب عجمتهم، بل يحققونها كما في الكلمات التالية: ("حكمة = حكمت". "عبرة = عبرت". "جودة = جودت". "رأفة = رأفت"...)، وقس على هذا. بالإضافة إلى اسم: "علامت شريف"، وردت أيضا تسمية الطغراء في الفرمانات العثمانية بنعوت مختلفة مثل: "طغرائي صميم مكان خاقاني"، "توقيع رفيع همايوني" أو"توقيع همايون"، "نِشان شريف عالي الشان.. سلطاني.." أو "نِشان همايون". ومن الأسماء الأخرى التي نُعتت بها العلامة السلطانية أوالطغراء، تسمية: "طُرّة"، وفي هذا الشأن، يكاد المؤرخون العرب يجمعون على أن "الطغراء" هي: "الطرة"، ومردُّ ذلك - حسب رأيي - مرتبط بكون الطغراء كانت ترسم في طرر الوثائق باعتبارها توقيعا أو شعارا سلطانيا تُوشّح به الوثائق الرسمية، ومن ضمن المؤرخين الذين أطلقوا عليها تسمية: "الطرة" على سبيل المثال لا الحصر: يـــاقوت الحمــوي (574 - 626هـ/1178 - 1229م)، أحمــد بن خلكــان (608 - 681هـ/1211 - 1282م)، صلاح الديــن الصفدي (696 - 764هـ/1296 - 1363م)، أحمـــد المقـريـزي (764 - 845هـ/1364 - 1442م)، ابن فضـــل الله المحبـــي (1061 - 1111هـ/1651 - 1699م)، مرتضــى الزّبيــدي (1145 - 1205هـ/1732 - 1790م)، وغيرهم. من هنا يمكن القول ان الطغراء هي صورة محورة وتجريدية (بالخط) ترمز في مدلولها إلى السلطان، ولم يكن لها أن تتطور لولا إعمال الحرف العربي في تركيب أشكالها وصورها المعلومة، تلك الأشكال والصور التي تم تجاوزها منذ مستهل العصر الحديث، وبالتالي اختزالها في صورة فنية أكثر تعقيدا تتصف بالتشفير والتعمية؛ مثلتها على وجه التحديد: العلامة السلطانية الخاصة بالعثمانيين، والتي تُعدّ حسب رأيي؛ أول علامة أُطلق عليها - بشكل رسمي عند الباحثين - إسم: "طغراء". أما العلامة السلطانية التي كانت صورتها بسيطة في المغرب منذ العصر المرابطي، فقد تطورت وتدرجت في مدارج التجويد إلى أن أصبحت صورتها "طغراءً" معقدة خلال العصر السعدي، حيث انتقلت من كونها "علامة خطية" سلطانية بسيطة، إلى "علامة طغرائية" سلطانية معقدة - مرتبطة بمفهومي "التّعمية" و"التشفير". وحينما نتحدث عن الطغراء، فإننا نتحدث - ضمنيا - عن "الشعارات" التي تتميز بها دولة عن دولة، وذلك من حيث رمزيتها السياسية التي نجدها حاضرة في كل ما يتعلق بمفهوم الدولة ذات "السيادة" من نُظم وثوابت وخصوصيات. كما نجد آثارها في وثائق الدولة ورسومها ودواوينها السلطانية، بل ونجد آثارها أيضا في "الزي السلطاني" الذي كان في حد ذاته "شعارا" يجسده السلطان، إلى درجة وصفت معها بعض المصادر العثمانية السلطان من خلال لباسه الذي يلبسه من أم رأسه إلى أخمص قدميه، بوصف: "السلطان الطُّغراء الغرّاء". بل إن هذا الوصف (أي وصف السلطان بالطغراء)، قد انتقل إلى المغرب بشكل أو بآخر، وظل مستعملا فيه إلى تاريخنا المعاصر كما تشهد على ذلك بعض الوثائق المغربية المتأخرة التي تنتمي إلى العصر العلوي، ونذكر منها - على وجه الخصوص - رسالة مؤرخة في: يوم الجمعة 2 من ذي القعدة 1355هـ/14 يناير 1937م، بعثها السلطان العلوي محمد الخامس (1346 - 1380هـ/1927 - 1961م) إلى صاحب المملكة التونسية (الحسينية): أحمد باشا باي الثاني (1347 - 1361هـ/1929 - 1942م)، حيث وصفه فيها بــ: "طغراء العائلة الحسينية" كناية عن علو شأنه ورفعته، باعتباره رأس هذه العائلة وسيدها وحاكمها - شأنه في ذلك شأن - الطغراء التي تعد رأس الوثيقة وطرّتها، بل وأشرف عناصرها رسما وتجليلا، لاسيما وأنها التوقيع الرسمي للسلطان الذي يرمز إلى نفوذ أمره وسيادته. فضلا عن ذلك؛ يدل هذا التعريف أن المغاربة كانوا يفرقون بين العلامة المغربية التي ترمز للسيادة المغربية والطغراء العثمانية التي ترمز للسيادة العثمانية، لذلك فتعريف أمير العائلة الحسينية في تونس بالطغراء يحيلنا على عهد البايات الذي كانت فيه تونس مجرد إيالة عثمانية تابعة لاستانبول. وتعريف "السلطان" بـ: "الطغراء"، مرده إلى كونها توقيعه الرسمي الذي يعبر عن سيادته ونفوذ أمره، مما يؤكد صحة الجمع بين الطغراء كرسم، والسلطان كحاكم، والسيادة كفعل. وبعبارة أخرى يمكن القول ان (الطغراء السعدية)، أضحت هي الصورة المشفّرة للعلامة المغربية التي تطورت وتنوعت صورها عبر الدول التي حكمت بلاد المغرب قبل السعديين. فاكتمل جرمها، واستوى رسمها، منذ استعمالها بشكل غير مسبوق في الوثائق المخزنية خلال عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، وذلك للتدليل على سيادته، حيث كان لها من الضخامة ما يجعلها تشغل الامتداد العرضي للوثيقة من اليمين إلى اليسار، وهي تختلف عن الطغراء العثمانية من حيث الشكل والنص، رغم أن وظيفتهما واحدة. واستعمال الطغراء السعدية؛ يحيلنا - دون أدنى شك - على حصانة المغرب الذي استطاع إيقاف الزحف العثماني، بفضل قوة الدولة السعدية، التي عبرت عن استقلالها وسيادتها من خلال استعمال "الطغراء المغربية" المختلفة عن "الطغراء العثمانية"، حيث كانت متفردة في شكلها ونصوصها كتفرد الأزياء السلطانية في المغرب عن نظيرتها في الدولة العثمانية، وذلك على اعتبار أن "الزي السلطاني" يُعدّ  في حد ذاته "شعارا سلطانيا" تماما كما هو الأمر بالنسبة للطغراء. وأهم "شعار" ملبوس يعبر عن "الأزياء السلطانية" في المغرب؛ "القفطان المغربي"، الذي كان يُعدّ لباسا رسميا - مخزنيا تميز به السلاطين المغاربة عن غيرهم - يحيلنا على مفهوم "السلطة المخزنية" في المغرب، حتى إن بعض المصادر كانت تنعت قفاطين السلاطين المغاربة بـ: "قفاطين المخزن". أما العثمانيين فقد كانوا ينعتونه بتسمية: "القفطان الفاسي". والسر في هذه التسمية - وكما ذكرنا ذلك آنفا - يرجع أولا إلى أن العثمانيين كانوا يسمون المغرب "دولة فاس"، كما يرجع أيضا إلى كون القفطان صنع لأول مرة بمدينة فاس منذ العصر الموحدي - أي قبل ظهور العثمانيين بأكثر قرن من الزمان - حيث كانت هذه المدينة تضم  آنئذ 3064 محلاّ لصناعة الحياكة والخياطة حسب شهادة ابن أبي زرع الفاسي (ت.741هـ/1340م) في كتابه: "الأنيس المطرب بروض القرطاس". ويغلب على الظن أن كلمة: "قفطان" هي تعريب للكلمة الفارسية: "خفْتان" (بتسكين الفاء)، وهي الكلمة التي تم استخدامها في القاموس العربي للدلالة على كل "رداء سابغ كان يُلبس عند الحرب"، ويُعدّ المسعودي (283 - 346هـ/896 - 957م) أقدم من أورد هذه التسمية في كتابه: "مروج الذهب و معادن الجوهر"، ويؤخذ ذلك من خلال وصفه للخليفة العباسي المعتمد على الله (256 - 279هـ/870 - 892م) الذي كان "أكثر لباسه خفْتان مصبوغ فاختي"، واللون "الفختي" أو "الفاختي"، لون يميل إلى السواد اتخذه العباسيون شعارا لهم، خلافا لأسلافهم الأمويين الذي اتخذوا من البياض شعارا لهم. ولتأصيل ظهور القفطان المغربي تأصيلا تاريخيا؛ نشير إلى أنه وبالرغم من عدم اعتماده في عصر الدولة المرابطية لباسا رسميا؛ إلا أن رمز "الطاووس" الذي كان حاضرا في رايات المرابطين وعمائرهم حسب صاحب الحلل الموشية، سيتم فيما بعد استخدام رسمته (طرزته) على القفطان المغربي، وتحديدا قفطان "النطع الفاسي" الذي سيعرف بتطريز هذه الرسمة إلى اليوم. وبعد سقوط الدولة المرابطية سنة: 541هـ/1146م، استُعمل القفطان المغربي عند الموحدين، ومن أقدم الوثائق التي تؤرخ لظهوره في المغرب، وثيقة منمنمة ترجع إلى العصر الموحدي؛ يظهر فيها (الخليفة) الموحدي أبو حفص عمر المرتضى (646 - 665هـ/1248 - 1267م) مرتديا قفطانا قُرمزيا واسعا مريحا مطرّزا، مفتوح العنق، واسع الأكمام. وهذا معناه أن القفطان كان لباس الخلفاء المغاربة، أو بالأحرى "لباسا خليفيا"، يجسد رغبة (الخلفاء الموحدين) في تمييز لباسهم عن لباس (الخلفاء العباسيين) الذين كانوا يتشحون بالسواد (الفاختي) الذي اتخذوه شعارا لهم، وذلك من منطلق المنافسة السياسية حول شرعية حيازة الخلافة. وقد ظهر القفطان لأول مرة في المغرب خلال العصر الموحدي، حيث أصبح لباس (الخلفاء) المغاربة أو بالأحرى؛ "لباسا خليفيا"، سعى من خلاله (الخلفاء الموحدون) إلى  تجسيد رغبتهم في تمييز لباسهم باللون الأحمر - القرمزي عن لباس (الخلفاء العباسيين) الذي كان يسمى عندهم بـ: "الخفتان"، وهو لباس يميل لونه إلى السواد "الفختي" أو"الفاختي"، وذلك من منطلق المنافسة السياسية حول شرعية حيازة الخلافة. وبعد سقوط الدولة الموحدية سنة: 668هـ/1269م، صار القفطان "لباسا سلطانيا"، بمجرد أن اتخذه السلاطين المرينيون - الذين ارتقوا لسدة الحكم في المغرب خلفا للموحدين - لباسا رسميا خاصا بهم وشعارا يميزهم عن غيرهم، خاصة بعد ظهور لقب: "سلطان" في المغرب لأول مرة مع أول سلاطين بني مرين؛ أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق (647 - 685هـ/1249 -  1286م). بخلاف المشرق الذي ظهر فيه هذا اللقب مع السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (388 - 421هـ/998 - 1030م) في ظل الخلافة العباسية. ومن الأسماء التي عُرف بها القفطان خلال العصر المريني، تسمية: "الملّوطة" (بفتح الميم وتشديد اللام وجمعها ملاليط)، وما قلناه عن الخفتان نقوله عن مصطلح الملوطة، الذي استُخدم من حيث دلالة التسمية لا من حيث دلالة الاستعمال، إذ يعتبر من المصطلحات الدخيلة، فـالملوطة كلمة يونانية تسربت إلى العربية عن طريق اللغة القبطية، ومعناها: الثوب الواسع، يُلبس فوق سائر الثياب، أوملبوس واسع الأكمام كالقباء. وقد كانت الملُّوطة حسب ما أورده صاحب "المخترع في فنون من الصنع": "معروفة منذ العصر العباسي؛ وكانت عبارة عن رداء واسع طويل يُصنع من الحرير أو الكتان الرقيق، مثل العباءة، وغالبًا ما تكون غير مزرّرة، كان يلبسها الرجال والنساء على حد سواء في العصر العباسي، غير أن النساء يخترن الألوان البيضاء أو السوداء ذات البطانة".  ويشير دوزي إلى أن "المعنى بكلمة ملوطة هو الجبّة، وكذلك يراد بها اللباس الفوقاني الواسع، الذي كان يُلبس فوق الفرجية". أما الباحث الإسباني "بيدرو دي ألكالا" فيشير إلى أن "كلمة: بلّوط وكلمة: بلّوطة [وهي ثمرة السنديان التي توجد في المغرب بكثرة]، ليستا سوى تحريف لكلمة: ملوطة". ومن أقدم الإشارات لهذه التسمية خلال العصر المريني؛ الإشارة التي أوردها ابن مرزوق (710 - 781هـ/1310 - 1379م) في كتابه: "المسند الصحيح الحسن" الذي ألفه في مناقب ولي نعمته السلطان أبي الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م)، حيث أشار إلى أن هذا السلطان كان هو وأسلافه من السلاطين المرينيين يُهْدون لخُدّامهم "الملوطة... [التي] كان أصلها ثوبا نسائيا زردخان"، وكما يظهر من خلال هذا النص فإن الملوطة كانت في الأصل لباسا نسائيا ثم انتقلت إلى الرجال - وإن كانت بعض الروايات تؤكد أن العكس هو الصحيح - وحسب النص المذكور فإنها كانت تُصنع من: "الزردخان". والزردخان هي كلمة مركبة ذات أصل فارسي، معناها: "زي الملوك" (الزرد: "الثوب". والخان: "الملك"). والظاهر أن هذا النوع من الأثواب كان سائد الاستعمال خلال العصر المريني، بدليل أن ابن بطوطة المغربي الطنجي (703 - 779هـ/1304 - 1377م)، أشار إليه في غير موضع من رحلته الشهيرة، حيث سماه: "الزردخانة"، أو "زردخاني"، بالتعريف وبغير تعريف. وقد أكّد - كوباروفياس - أن "زردخاني تعني نوعاً من الحرير الفاخر من صناعة المغاربة، وهو شبيه بالتفتة (الحرير الرقيق)"، و"الزردخان المغربي"، هو الذي يُسمى في يومنا هذا بـ: "البروكار الفاسي"، لأن حياكته كانت - ولا تزال - تتركز في مدينة فاس، ولا يخفى علينا في هذا الشأن أن الزردخان أو البروكار الفاسي المغربي، مشهور بجودته التي تعكس ثقافة وتقاليد المغاربة، إلى درجة عُرف معها "القفطان الفاسي" المصنوع منه بمدينة فاس بـ: "قفطان البروكار الفاسي"، وذلك لتمييزه عن القفاطين الأخرى التي كانت تُصنع في المدن المغربية الأخرى كـ: "القفطان الرباطي" نسبة إلى مدينة الرباط، و"القفطان السلاوي" نسبة إلى مدينة سلا، وهكذا... ويشير عبد الهادي التازي إلى أن "الزردخان" شبيه بـ: "المْلفّ"، وهو أملس، ومنه نوع يُتّخذ من القطن، إلا أن الزردخان يأتي في المرتبة الثانية بعد الملف. و"المْلفّ" (أو المْلِيفّة) هو نوع من الأثواب الفاسية الفاخرة التي كانت - ولاتزال - تُنسج في مدينة فاس، وقد أشار ابن بطوطة (703 - 779هـ/1304 - 1377م)، إليها في غير موضع من رحلته الشهيرة. حيث تستعمل في خياطة القفاطين الفاسية منذ العصر المريني بدليل ما ورد في كتاب: "بيوتات فاس الكبرى" لأبي الوليد إسماعيل بن الأحمر (725 - 807هـ/1325 - 1405م)، الذي أشار إلى أن "من أسلم من اليهود [بمدينة فاس].. احترف بخياطة الملف والثياب، وضفر القيطان الذي يُخاط مع الثياب ونسج العقد"، ومعلوم أن ضفر القيطان - الذي جرّبت ضفره بالمغزل في صغري بمدينة فاس - ونسج العقد أو(العْقاد) التي تقوم مقام الأزرار، تدخل في تطريز (المْلْفّ) الذي يُصنع منه القفطان، وخاصة فيما يتعلق بـما يسمى بـ: "السفيفة"، وهي الأشرطة المطرّزة التي يُزيّنُ بها القفطان، والتي يتميز بها اللباس المغربي عن غيره، حيث تدخل أيضا في تطريز الجلباب المغربي (الجلاّبة). والقيطان - الذي لا يزال يسمى بهذه التسمية إلى اليوم - هو خيط مضفور كان يتم غزله بمغزل يدوي لضفر خيوط دقيقة كانت - ولا تزال - تُسمى بـ: "الصّابْرة"، وهي خيوط حريرية متنوعة الألوان. وقد أضاف المرينيون إلى القفطان حزاما يحاط به الخصر لضمّ القفطان إلى الجسم، وخاصة في المعارك والحروب، وذلك حتى لا تعوق أطرافه وتلابيبه حركاتهم أثناء الفرّ والكرّ، ولذلك سمي هذا الحزام عند المغاربة بـ: "المْضْمَّة"، وقد كانت إحاطة الخصر بالمضمة متلازمة مع التقلد بالسيف، وأقدم إشارة لهذا التلازم خلال العصر المريني؛ هي تلك الإشارة التي أوردها ابن الحاج النميري (ولد سنة: 713هـ/1313م) في كتابه: "فيض العباب"، وصف من خلالها ولي نعمته أبي عنان المريني (749 - 759هـ1348 - 1358/م)، بقوله: "ولم يرع الناس وقد رفعوا العيون، واجتمعوا كما يتمنی مخبر أن يكون إلا خروج مولانا أيّده الله وقد لبس ملوطة بيضاء بالعمل الشواشي.. ولبس فوقها مصفحاً ملوكياً عظم قدراً، وأشبه الروض المزهر فاتّخذ المضمة الشريفة نهراً، وتقلد السيف الكريم الذي نسميه حساما، وتسميه الحروب نصراً". ومعلوم أن اللباس الوحيد الذي كان يضاف له المضمة منذ العصر المريني إلى اليوم هو القفطان دون غيره، مما يؤكد أن الملوطة هي القفطان بعينه وإن اختلفت تسميته في المصادر المرينية، وما يؤكد ذلك؛ هو أن النساء المغربيات لا يزلن يلبسن القفطان بالمضمة إلى اليوم في الأعياد والأعراس والمناسبات، وقد كان القفطان المريني أبيض اللون على اعتبار أن المرينين اتخذوا البياض شعارا لهم، ومن مظاهر انتقال القفطان إلى إسبانيا، تأثر الإسبان بلباس الملوطة إلى درجة استعملوا معها تسميتها في قواميسهم اللغوية بعد تحريفها إلى كلمة: "مرلوطة" (Marlota). والواقع أن المؤرخين الإسبان القدماء يصورون لنا الفرسان والسيدات المغاربة مرتدين الملاليط في معظم الأحيان. كما يتحدثون عن ملوطة من المخمل فاخرة مطرزة بالذهب كان يرتديها فارس مغربي، وملوطة من الدمقس، كانت ترتديها سيدة مغربية. وقد ذكر دوزي أن ملكة غرناطة كانت تلبس: "ملوطة خز ثلاثية الطبقات"، لكن وبعد سقوط غرناطة سنة: 897هـ/1492م، قام الملك فيليب الثاني بتحريم لبسها على النساء في إسبانيا. ومرد ذلك التحريم يُعزى إلى الدلالة الدينية والسياسية لهذا الزي السلطاني، لتنفرد النساء المغربيات بارتداء الملوطة النسائية، خاصة وأن ملوك بني الأحمر (بنو نصر) كانوا يقلدون المرينين في تقاليدهم ولباسهم المخزني حسب ماذكره مارمول كربخال في كتابه: "وقائع ثورة الموريسكيين" حيث يقول: "لطالما قلد ملوك غرناطة نظراءهم من ملوك فاس". والجدير بالذكر أن أقدم إشارة لتسمية القفطان، أوردها الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة (703 - 779هـ/1304 - 1377م) في رحلته المسماة: "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وهي الرحلة التي انطلقت في عهد خامس سلاطين بني مرين؛ أبي سعيد عثمان (710 - 731هـ/1310 - 1331م)، وتحديدا في سنة: 725هـ/1325م، وقد استعمل ابن جزي الذي عيّنه أبو عنان المريني (749 - 759هـ/1348 - 1358م) لتدوين الرحلة من إملاء ابن بطوطة تسمية: "القفطان" بلسان المغاربة خلال العصر المريني لتعريف "الجبة البيضاء" التي ذكرها ابن بطوطة في معرض حديثه عن أحد الصلحاء بمكة والذي قال عنه: "... وكنت أراه حين ذلك لابساً جبة بيضاء قصيرة من ثياب القطن؛ المدعوة بالقفطان". فلا شك أن استعمال جملة: "المدعوة بالقفطان" هي بِلُغة ابن جزي بصفته كاتب الإنشاء في البلاط المريني. ولأن الكتاب كان موجها للسلطة الحاكمة في المغرب، فقد استُعملت فيه التعريفات السلطانية المعروفة آنئذ في البلاط المريني بأسمائها ومُسمّياتها وصفاتها السلطانية. وقد كان "القفطان" يُعرف أيضا خلال هذا العصر في بعض النسخ المخطوطة بـ: "الفشطان"، وفي تعريفه للفشطان ذهب بوسييه - حسب ما أورده دوزي - إلى "انه نسيج (قماش) مطرز يلبسه المغاربة فوق السراويل عند خروجهم". وربما تكون كلمة: "فشطان" أو (فسطان) بلسان المغاربة - حسب تقديري الخاص - مجرد تحريف للكلمة العربية: "فستان" على اعتبار أن التاء هي ثلث الطاء في النطق العربي، وهذا معروف حتى في مخارج الحروف المرتبطة بقواعد تجويد القرآن الكريم. وإثر حديثنا عن المرينيين، لا بد أن نشير إلى أن أواخر عصر دولتهم قد تزامن مع صعود العثمانيين في المشرق، حيث لم تظهر الدولة العثمانية إلا في حدود سنة: 699هـ/1299م على يد مؤسسها عثمان بن أُرطغرل (699 - 726هـ/1300 - 1326م) الذي يتزامن جزء من عهده مع عهد خامس سلاطين بني مرين: أبو سعيد عثمان (710 - 731هـ/1310 - 1331م)، في وقت كانت فيه الدولة العثمانية لا تزال فتية تبحث عن توطيد أركانها لمواجهة التحديات الخارجية في المشرق. ويسجل لنا التاريخ أن أول اتصال دبلوماسي بين المرينيين والعثمانيين يرجع إلى سنة: 793هـ/1391م، وتحديدا إلى عهد السلطان المريني أبي العباس أحمد المستنصر ابن أبي سالم إبراهيم (ت.796هـ/1393م) الملقب بذي الدولتين، الذي حكم لفترتين مختلفتين تمتدان بين سنتي: (776 - 786هـ/1374 - 1384م) وأيضا؛ سنتي: (789 - 796هـ/1387 - 1393م). وحتى نضع القفطان المغربي - الذي سيرسله المرينيون إلى العثمانيين - ضمن سياقه التاريخي؛ نشير إلى أن المرينيين استطاعوا بتدخلاتهم العسكرية - قبل ظهور العثمانيين - تأخير كارثة سقوط الأندلس بنحو قرنين من الزمن. لكن هزيمة طريف في: 7 جمادى الثانية 741هـ/28 نونبر 1340م، خلال عهد السلطان أبي الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م)، أجهضت كل أحلام المرينيين في استرجاع السيادة المغربية على الفردوس المفقود، خاصة بعد تواطؤ كل من بني الأحمر حكام غرناطة، الذين تدخل المرينيون لحمايتهم من الخطر المسيحي، وبني زيان حكام المغرب الأوسط (الجزائر) مع القشتاليين لقطع الطريق على المرينيين لاسترجاع الأندلس. وقد كانت هذه المعركة فاصلة - ليس في تاريخ المغرب فحسب - بل حتى في تاريخ دول الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، وذلك لأنها غيرت "ميزان القوى" بين الشمال والجنوب، حيث انتقل "مركز الثقل" إلى الإيبيريين، لاسيما وأنها كانت آخر معركة يشارك فيها المغاربة بشكل رسمي ومباشر في الأندلس، حتى قال عنها أحمد المقري (986 - 1041هـ/1578 - 1631م) في كتابه: "نفح الطيب": "واشرأبّ العدو الكافر لأخذ ما بقي من الجزيرة ذات الظل الوريف، وثبتت قدمه إذ ذاك في بلد طريف، وبالجملة فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء، والأرزاء التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب، وقرّت بذلك عيون الأعداء". وتجدر الإشارة إلى أن من أبرز تجليات هذه الهزيمة؛ سقوط مدينة سبتة المغربية لاحقا في يد البرتغاليين سنة: 818هـ/1415م، والتي يُعتبر سقوطها - حسب بعض المؤرخين - الحدث الأنسب لبداية التحول من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، عوض تاريخ سقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين سنة: 857هــ/1453م. ومعلوم أن سقوط سبتة كان في عهد السلطان المريني أبي سعيد عثمان الثاني (800 - 823هـ/1398 - 1420م) الذي سيُقتل غيلة سنة: 823هـ/1420م، مما سيسرّع بسقوط الدولة المرينية، لاسيما بعد انتقال الحكم إلى ابنه أبي محمد عبد الحق الثاني (823 - 869هـ/1420- 1465م)، وهو آخر سلاطين الدولة المرينية، الذي تزامن عهده مع فتح العثمانيين لمدينة القسطنطينية (استانبول لاحقا) سنة: 857هــ/1453م على يد محمد الثاني (الفاتح).(855 - 886هـ/1451 - 1481م)، حيث هنّأ السلطان المريني السلطان العثماني بالفتح، ليكون بذلك هذا السلطان المريني هو: "فاتح علاقات المغرب مع الدولة التركية العثمانية" على حد تعبير المؤرخ المغربي محمد المنوني. ولتأكيد تضامنه المطلق مع محمد الفاتح في مواجهة المد المسيحي - من منطلق ما كانت تمليه عليه عقيدته الإسلامية - أرسل السلطان المريني عدة هدايا للسلطان العثماني. وفي هذا الشأن نشير إلى أن "الخلع السلطانية" كانت من بين الهدايا التي يرسلها السلاطين لنظرائهم أو عُمّالهم، باعتبارها من "التقاليد السلطانية" التي ترمز إلى توثيق المودة و ترسيخ المحبة بين النظراء، أو التعيين والتنصيب بين السلاطين وعُمّالهم. ولأن "القفطان المغربي" كان هو "الخلعة السلطانية" الخاصة بالمرينيين بوصفه لباسا رسميا للسلاطين المرينيين وشعارا سلطانيا لسيادتهم، فقد أرسله السلطان المريني إلى السلطان العثماني عُربونا للمودة والمحبة، وهو التقليد الذي سيصبح مأثورا عند السلاطين العثمانيين، الذين دأبوا على إرسال "خلعهم السلطانية" التي كانت تُسمى بـ: "البندالي" (Bindalli) - حسب تسميتها الرسمية عند العثمانيين - إلى نظرائهم من السلاطين في إطار علاقاتهم  الدبلوماسية، أو إلى عُمّالهم في إطار علاقاتهم الإدارية. وعليه، يمكن القول إن إرسال القفطان المغربي إلى السلطان العثماني كان يكتسي دلالة رمزية سياسية، ترمز إلى ظهور العثمانيين بصورة المدافع عن حوزة الإسلام والمسلمين، بسبب وقوفهم في وجه المد المسيحي بعد السيطرة على القسطنطينية، ولعل هذا الأمر هو ما سيعطي العثمانيين شرعية تملك العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، خاصة بعد سقوط الدولة المرينية في المغرب سنة: 869هـ/1465م، ثم سقوط الأندلس في أيدي الإسبان بصفة نهائية بعد القضاء على إمارة بني الأحمر بغرناطة سنة: 897هـ/1492م. وبعد سقوط الدولة المرينية سنة: 869هـ/1465م، وقيام الدولة الوطاسية (العابرة) على أنقاضها؛ حافظ الوطاسيون - على غرار سابقيهم - على الخصوصية المغربية في لباسهم، حيث ورثوا القفطان عن المرينيين. وفي هذا الباب، يشير الحسن الوزان الملقب بـ: "ليون الإفريقي" (ت. نحو 957هـ/1550م)، في كتابه: "وصف إفريقيا" إلى أنه كان يوجد - على سبيل المثال - بمدينة فاس خلال هذا العصر؛ 520 دارا للنساجين يعمل بها 20 ألف عامل. "وهي أبنية كبيرة ذات طبقات عديدة، وقاعات فسيحة كقاعات القصور". وإذا كان القفطان في بداية الأمر "لباسا ذكوريا" لبسه الخلفاء والسلاطين المغاربة كما تدل على ذلك الإشارات السابقة، فإن هذا الأمر لم يمنع من انتقاله إلى النساء خلال العصر الوطاسي، إلى درجة أصبح معها - في مراحل لاحقة - "لباسا نسائيا" لصيقا بالنساء أكثر من الرجال. بل و ارتبط القفطان المغربي خلال هذا العصر ارتباطا وطيدا بالأعراس والمناسبات المغربية. فقد كان من عادات أهل فاس المتوارثة في أعراسهم أن أن يقدّم العريس في العصر الوطاسي "ثلاثة قفاطين" و"ثلاثة فساتين" مع جهاز العروس. وبعد سقوط غرناطة انتقل أبو عبد الله الصغير آخر ملوك بني الأحمر لاجئا إلى المغرب، فاستقر بمدينة فاس هو وأهله وأولاده، بعدما أرسل رسالة مؤثرة إلى محمد الشيخ الوطاسي (875 - 910هـ/1470 - 1504م) على لسان وزيره وكاتبه، محمد بن عبد الله العربي العقيلي، عنوانها: "الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس"، وظل أبو عبد الله الصغيرأبو عبد الله الصغير بفاس إ بفاس إلى أن توفي بها سنة: 940هـ/1534م. وقد نقل إلينا أحمد المقري (986 - 1041هـ/1578 - 1631م) في كتابه: "نفح الطيب"، وكذلك في: "أزهار الرياض" قصيدة طويلة وردت في الرسالة المذكورة من نظم هذا الوزير تتضمن الاستجارة والاستنجاد بمحمد الشيخ الوطاسي، ومطلعها: مولى الملوك ملوك العرب والعجم   رعيا لما مثله يرعى من الذمم بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن   جار الزمان عليه جور منتقم ولا شك أن إجارة الملوك للملوك ينم التعبير عنه بمنح الخلعة السلطانية التي لم تكن إلا قفطانا منحه السلطان الوطاسي للسلطان النصري المستجير به بعد سقوط غرناطة وفراره بجلده. وبعد سقوط الدولة الوطاسية نهائيا على يد السعديين في سنة: 961هـ/1554م، أصبح القفطان المغربي خلال العصر السعدي لباسا سلطانيا "مخزنيا"، ذا "خصوصية مغربية"، وتحديدا خلال عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، الذي نُسب إليه بعدما أضاف له قطعة أخرى فوقية، فأضحى يسمى باللباس "المنصوري" أو"المنصورية" حسب صاحب "المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور". يقول ابن القاضي (960 - 1025هـ/1553 - 1616م): "..والمنصورية لباس لم يكن في المغرب قبل، أبدعه - أيده الله - بحدسه، وأخرجه إلى الوجود بكيسه، ولذلك نُسبت له". والمنصورية هي ما يعرف اليوم بـ: "التكشيطة" عند النساء. بل إن القفطان أصبح من الخلع السلطانية التي يرتديها خُدّام الدولة السعدية باعتباره لباسا سلطانيا مخزنيا يعبر عن رجال المخزن السعدي، ويُستنتج ذلك - على سبيل المثال لا الحصر- من خلال كتاب: "ديوان قبائل سوس في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي" لمؤلفه إبراهيم بن علي الحساني، الذي انتهى منه بأمر من أحمد المنصور الذهبي في فاتح ربيع الأول 988هـ/16 أبريل 1580م. حيث ذكر القفطان في معرض حديثه عن لباس "المحلّة السلطانية". حيث ذكر أنه وعند اشتباك جيش السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي مع بعض قبائل السوس المتمردة، كان يميز بين الفريقين من خلال لباسهم، حيث كان رجال المخزن السعدي يلبسون القفطان، بينما كان المتمردون يلبسون القمصان الصوفية بدليل قوله: "فقامت محلته المؤيدة بالله [يقصد محلة أحمد المنصور الذهبي]، وطلعت من باب الكوض الذي سدوه بالسدود، ونزلت من أعلاه ونحن دائرون بهم كالحلقة، ثم وقعت فتنة عظيمة بيننا وبين البرابر من طلوع الشمس إلى غروبها، وطلعوا لنا جبلا عظيما وهو جبل أغشتيم، وقد نظرت من أعلاه: فرَبّ قميص الصوف، ورَبّ القفطان، تكمشا فيه وتشابكا من أعلاه إلى أسفله، ويجري الدم كالماء، ولم يعلم أحد عدد من مات فيه إلا الله تعالى". وفي حديثه عن العثمانيين؛ أشار السفير المغربي علي بن محمد التمكروتي (941 - 1003هـ/1534 - 1594م)، إلى الألبسة السلطانية العثمانية دون أن يورد ما يفيد أن القفطان كان من بينها، ويستنبط ذلك من خلال حديثه عن رجال الديوان الهمايوني العثماني حيث يذكر أن "كل واحد منهم على قدره وزينته.. لا يساوي كل واحد منهم من هو أعلى منه رتبة في المشي ولا في العمامة ولا في اللباس ولا في المجلس"، خاصة وأن التمكروتي كان سفير السلطان السعدي: أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، إلى السلطان العثماني: مراد الثالث (982 - 1003هـ/1574 - 1595م)، ومعلوم أن المنصور الذهبي هو مخترع القفطان المنسوب إليه، والمعروف بـ: "المنصورية". وظل القفطان هو اللباس الرسمي المخزني للسلاطين السعديين إلى غاية سقوط الدولة السعدية سنة: 1069هـ/1659م، وعنهم أخذه العلويون الذين أقاموا دولتهم على أنقاض دولة "آل زيدان". بناء على ما سبق، نستطيع القول إن كل دولة من الدول التي حكمت بلاد المغرب، كان لسلاطينها قفطان يميزهم عن غيرهم - باعتباره ملبوسا سلطانيا - يختلف في طريقة خياطته وألوانه وطرزه من دولة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر. بل إن القفطان كان يختلف داخل البلد نفسه، وذلك بحسب أهمية الوظائف السلطانية ومراتبها.  وعليه، فإن القفطان هو - في الحقيقة - اسم صفة من حيث دلالته اللغوية، شأنه في ذلك؛ شأن التسميات الأخرى كالجلباب والجبة والقميص والسروال، وهي تسميات تطلق على أنواع محددة من اللباس وإن اختلفت أثوابها وأشكالها وألوانها وطريقة خياطتها من بلد إلى بلد، إلا أنها تشترك في صفات تميزها مثل أن تكون فضفاضة أو ضيقة، قصيرة أو طويلة، سابغة أو شفافة، كأن نقول مثلا: السروال التركي.. والسروال الفارسي.. وهكذا.. لذلك فإننا لا نجد أية غضاضة - بناء على ما ذكرناه - في إضافة كلمة قفطان إلى نوع محدد ومميز من اللباس؛ له قواسم مشتركة من منطقة إلى أخرى، بصرف النظر عن البلد الذي ينتمي إليه، كالقفطان العثماني والقفطان الفارسي، والقفطان المغربي، وغيرها من القفاطين الأخرى التي تنتمي لمختلف بلدان العالم الإسلامي. إذن فإضافة تسمية: "قفطان" إلى بعض خِلع السلاطين العثمانيين التي كانت تُعرف عندهم بـ: "البندالي" (Bindalli) هو من باب المقارنة فقط، وأيضا من باب: "إذا شابه الشيء شيئا أعطي حكمه"، فصارت تسمية: "قفطان عثماني" تسمية مجازية يُراد بها التشبيه والتمثيل، وهذا معروف في اللغة العربية، كإطلاق تسمية موحدة على شيئين مختلفين لجعلهما مؤتلفين؛ كتسمية (الأسودين) التي تطلق على الماء والتمر، وتسمية (الحسنيْن) التي تطلق على الحسن والحسين وخاصة ريحانتي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسمية (القمرين) التي تطلق على الشمس والقمر وهكذا.. وهذا ما تم تأكيده من خلال كتاب تركي تحت عنوان: "التطور التاريخي لزي القفطان": (HISTORICAL DEVELOPMENT OF THE CAFTAN COSTUME) وهو كتاب تم نشره في سنة: 1978م، من تأليف الباحثة العراقية - التركية مفيدة عبد النور قصير (ولدت في الموصل سنة: 1355هـ/1936م)، التي تطرقت فيه لتاريخ تطور القفطان منذ ظهوره إلى أواخر القرن العشرين، وقد أرفقت صورا مختلفة للقفطان المغربي بأنواعه المعروفة؛ كالقفطان الرباطي والتطواني، والقفطان الفاسي؛ وخاصة قفطان الخريب الفاسي (المخيط من الديباج)، و قفطان النطع الفاسي، وغيرها من القفاطين الأخرى التي كانت تنسب لمختلف الجهات المغربية. والملاحظ أن الباحثة المذكورة عرّفت كل ملبوس طويل وسابغ باسم: "قفطان"، ثم نسبته إلى بلد معين، وذلك بحسب طريقة خياطته وتفصيله (الفصالة بلسان الخياطين المغاربة)، وقد جمعنا كل تلك القفاطين المنسوبة إلى الدول العربية التي ذكرتها مرفقة بأشكالها المختلفة، والتي لا يجمع بينها سوى اسم قفطان حيث تختلف كليا فيما بينها، وللأمانة؛ سندرج كل تلك القفاطين التي أوردتها وأسماء الدول المنسوبة إليها كاملة، وذلك حسب الترتيب الذي قامت باختياره. والدول التي نسبت إليها الباحثة القفطان؛ هي أربعة دول فقط، وذلك من منطلق التشابه في الإسم لا العين؛ نذكرها كالتالي: - القفطان المصري. - القفطان المغربي. - القفطان السوري. - القفطان العثماني. ولم تقتصر الباحثة مفيدة على القفطان المغربي الذي كانت تلبسه النساء في بيوتهن، بل أدرجت اللباس المغربي الذي كانت تلبسه النساء خارج البيوت، والذي كان لباسا سابغا محتشما يغطي كافة جسد المرأة المغربية بما في ذلك الوجه، يختلف من منطقة إلى أخرى من مناطق المغرب، حيث أدرجت صورتين اثنتين فقط خصّت بهما المغرب؛ ألا وهما: "الحايك". و"الجلباب المغربي النسائي" (جلابة اللثام). وهما صورتان تظهر فيهما سيدتان مغربيتان، أولاهما؛ صورة لسيدة مغربية ترتدي "الحايك"، وهي مؤرخة في سنة: 1962م، والثانية؛ لسيدة مغربية أخرى ترتدي "جلابة اللثام" (كما يسميها المغاربة)، وهي مؤرخة في سنة: 1977م. وقد التُقِطت الصورتان معا في باحة "لرياضيْن" مغربيين مختلفين مزيّنيْن بالزليج الفاسي، تتوسطهما نافورتيْن يحيط بكل منهما حوض مائي مضلّع الشكل. وكما هو ملاحظ من خلال الصورتين الوحيدتين اللتين أوردتهما الباحثة التركية مفيدة، هو وجود التلازم البديهي بين عناصر ومحددات التراث المغربي سواء في اللباس الذي يرتبط بالحياء والاحتشام الذي عُرفت به المرأة المغربية، أو في العمارة التي عرفت بطرازها المغربي المتميز، حيث يسترعي انتباهنا فخامة "الرّْيَاضات" (بتسكين الراء وتشديدها وتخفيف الياء كما ينطقها المغاربة وهي جمع روض)، والتي كانت - ولاتزال - معروفة بباحاتها المزينة بالزليج الفاسي (الزليج البلدي)، ونوافيرها المائية البديعة. ولعل هذا التلازم بين الحياء والاحتشام في لباس المرأة المغربية، والزليج الفاسي والنوافير المائية في الرّيَاضات المغربية التي كانت كالقصور المكنونة، هو ما عبر عنه عبد الكريم سكيرج (1318 - 1403هـ/1900 - 1983م) في معرض حديثه عن "الخط المغربي" الذي يعد هو الآخر من محددات ومظاهر "الخصوصية المغربية"، حيث أكد أن "الخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا، ما دام المغرب معروفا بجمال الزليج في تزويقه، ونقش الجبس في تنميقه، وبالقرمود الأخضر في تنسيقه، وماء الفوارات في تدفقه، وما بقيت الجلابة والكساء والحياء في النساء، ومادامت فاس بجنّاتها وقصورها وشموسها وبدورها، والرباط بحسّانه وشالته ومرسى الفلك وبحارته، والحمراء [يقصد مراكش] بنخيلها وكتُبيتها، وجامع الفناء وضجتها". فلا شك أن عبد الكريم السكيرج قد تحدث في هذا النص عن المحددات الأساسية التي عرف بها التراث المغربي سواء في الخطوط أو العمارة أواللباس، كما تحدث أيضا عن مراكز الحضارة المغربية وتراثها المادي واللامادي كمدينة فاس ومراكش والرباط، وهي المدن التي تُحيلنا على استمرار الدولة المغربية - دون انقطاع - عبر التاريخ. ومعلوم أن عبد الكريم سكيرج (1318 - 1403هـ/1900 - 1983م) كان على دراية بقيمة هذا التلازم الدلالي والسببي بين محددات التراث المغربي، حيث كان خطاطا بارعا مجيدا للخطوط المغربية والمشرقية، علاوة على خطوط مبتكرة اجتهد في وضع أصولها. بل وكان ومن أوائل الخطاطين المغاربة الذين عرّفوا بالخط المغربي وأصنافه من خلال مقاله الشهير: "الخط العربي المغربي". يُضاف إلى ذلك أنه هو من قام بإنجاز الكتابات المنقوشة على جدران ومحراب المسجد الأعظم بباريس الذي شيّده الحرفيون المغاربة سنة: 1345هـ/1926م، بآيات قرآنية وأبيات شعرية من نظم أبيه العلامة القاضي أحمد بن العياشي سكيرج (1295 - 1363هـ/1877 - 1944م). ومن عجيب الموافقات أن يكون (أبوه) أحمد سكيرج؛ هو أول من افتتح المسجد الأعظم بباريس بأول خطبة جمعة بحضور السلطان العلوي (مولاي) يوسف (1330 - 1346هـ/1912 - 1927م). وهو خطاط أيضا ألف في بعض وظائف الخط المغربي المتعلقة بالعقود الشرعية وحساب المواريث مثل كتابه الموسوم بـ: "إرشاد المتعلم والناسي في صفة أشكال القلم الفاسي". وما يسترعي انتباهنا هو أن عبد الكريم سكيرج ربط في مقاله المذكور بين الخط المغربي والزليج الفاسي بنص قوله: "الخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا، ما دام المغرب معروفا بجمال الزليج في تزويقه..". بخلاف (الزليج) العثماني الذي كان يسمى بـ: "القاشاني" والذي انتشر في دول شمال افريقيا بحكم التأثير التركي على هذه البلدان. والظاهر من خلال تسمية: "القاشاني" أنها تنتسب إلى العراق القديم؛ بدليل ما رواه محمد بن علي الراوندي (المتوفى بعد: 600هـ/1203م)، في كتابه: "راحة الصدور وآية السرور في تاريخ الدولة السلجوقية"، حيث أشار إلى أنه كان ينتسب إلى أسرة معروفة بإجادة الخطوط المنسوبة وحذقها؛ إلى درجة عُرفت معها بخط نُسب إليها؛ كان يسمى: "الخط الكاشي" (خط كاشيان)، أو"الخط القاشاني" نسبة إلى مدينة كاشان (أو قاشان) مسقط رأس الراوندي. يقول الراوندي في ذلك: "وصار الحال في سائر أنحاء العراق أنه كلما رُئي خط‍ جميل، قالوا إنه خط‍ الكاشانيين، أو إنه مأخوذ عن الكاشانيين". وقد ربط عبد الكريم سكيرج أيضا بين الخط المغربي والجلباب المغربي بنص قوله: "الخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا.. ما بقيت الجلابة والكساء والحياء في النساء". والأكيد أن المرأة في المغرب ظلت محتفظة بجلابتها المغربية المحتشمة السابغة التي يضاف إليه "لثام" الوجه كما تسميه النساء المغربيات، حيث لا تزال أمهاتنا تلبسها إلى اليوم كما هو الشأن بالنسبة لأم المؤلف، الفقيهة: "أمينة الأنصاري" حفظها الله. من خلال ما سبق، يمكن القول إن الفوارق بين القفطان المغربي والقفطان العثماني، هي ماثلة للعيان، تماما كالفوارق الموجودة بين "الطغراء المغربية" و"الطغراء العثمانية"، وهي الفوارق  التي لا تعجز عن إدراكها إلا عين غمصة أو رمصة. وقد كان المشارقة ينعتون (القفطان المغربي) بتسمية: "القفطان المغربي": (Moroccan caftan) - على غرار الأوربيين - كما نلاحظ ذلك من خلال كتاب: "التطور التاريخي لزي القفطان"، لمؤلفته العراقية - التركية مفيدة عبد النور قصير. أما العثمانيون، فقد كانوا ينعتون (القفطان المغربي) بتسمية: "القفطان الفاسي": (Fas Kaftanlar/Fas Kaftanı/Fas Kaftanları)، والسر في هذه التسمية - وكما ذكرنا ذلك آنفا - يرجع أولا إلى أن العثمانيين كانوا يسمون المغرب "دولة فاس"، كما يرجع أيضا إلى كون القفطان صنع لأول مرة بمدينة فاس منذ العصر الموحدي أي قبل ظهور العثمانيين بأكثر من قرن من الزمان. وقد ظل القفطان هو اللباس الرسمي للسلاطين السعديين إلى حين سقوط الدولة السعدية سنة: 1069هـ/1659م، وعنهم ورثه العلويون، وفي هذا المضمار نستدل بما أورده المؤلف الفرنسي: "فرونسوا بيدو سانت أولون"(François Pidou de Saint - Olon)  (1056 - 1132هـ/1646 - 1720م) الذي عاصر أواخر الدولة السعدية وبداية الدولة العلوية إلى حدود عهد السلطان العلوي: (المولى) إسماعيل (1082 - 1139هـ/1672 - 1727م) في كتابه الذي يتضمن تقريرا عن: "إمبراطورية المغرب. أوضاع البلاد، أعرافها وتقاليدها الدينية، سلطتها السياسة، سكانها"، والكتاب تحت عنوان: )Relation de l'empire de Maroc où l'on voit la situation du pays, les moeurs, coutumes, gouvernement, religion et politique des habitans(. وقد نقل المؤرخ البريطاني طوماس جيفيريس (Thomas Jefferys)، عن "فرونسوا بيدو سانت أولون" معظم ما يتعلق بالقفطان المغربي  في كتابه الموسوم بـ: "مجموعة من فساتين الأمم المختلفة القديمة والحديثة": )A Collection of the Dresses of Different Nations, Ancient and Modern.( وهو الكتاب الذي يصف فيه أزياء الشعوب حول العالم، ومن ضمنها الزي التقليدي المغربي لسنة: 1106هـ/1695م، حيث يذكر منها: "القفطان" (Caffetan)، الذي كان يلبسه الرجال والنساء في المغرب فكان قفطان النساء يتميز عن قفطان الرجال بكونه فضفاضا سابغا يستر كافة الجسد من أم الرأس إلى أخمص القدمين، وكان نساء المغرب اللائي يلبسنه يُغطّين أيضا رؤوسهن بحجاب أبيض رقيق يخفي نصف الوجه حيث لا يظهر منهن سوى العينين. والملاحظ أنه لا وجود لكلمة قفطان في الفقرات الخاصة باللباس التركي كما لم يتم ذكر أي بلد في شمال افريقيا باستثناء المغرب، حيث جعل القفطان محصورا على المغرب. وفي كتاب بعنوان: "سفارة في المغرب": (Une ambassade au Maroc)، تم نشره منذ سنة: 1304هـ/1887م، وهو من تأليف المستكشف الفرنسي غابرييل شارم(gabriel charmes) (1266 - 1303هـ/1850 - 1886م)، يصف فيه القفطان المغربي الذي شاهِده عندما كان في بعثة رسمية، لدى السفارة الفرنسية في المملكة المغربية. وكان ذلك قبل فرض الحماية الفرنسية على المغرب (1330هـ/1912م) بثلاثة عقود. ويشير أبو القاسم الزياني (1147 - 1249هـ/1734 - 1833م)‏، في: "البستان الظريف" إلى أنه تم في سنة: 1159هـ/1746م، نهب 3000 "قفطان مخزني" إثر ثورة قام بها أهل فاس بسبب غلاء أسعار خرفان عيد الأضحى. وقد اهتم ملوك و سلاطين الدولة العلوية بمظهرهم و أناقتهم، فكان القفطان جزءا من لباسهم المخصص للظهور في المناسبات و الحفلات التي تقام في القصر. وفي هذا الشأن؛ يذكر مؤرخ الدولة العلوية و نقيب الشرفاء العلويين (المزوار) عبد الرحمن بن زيدان (1295- 1365هـ/1878- 1946م) في كتابه: "العز والصولة في معالم نظم الدولة"، أن سلاطين الدولة العلوية كانوا يحتفظون بالقفاطين المصنوعة من ثوب الملف في "صناديق من خشب مغشاة الباطن بثوب من كتان خاص". وفي شهر ربيع الأول من سنة: 1246هـ/غشت 1830م، عقب احتلال فرنسا لمدينة الجزائر (الجزائر العاصمة)، نزحت سفينتان تحمل اللاجئين الجزائريين نحو المغرب، وتحديدا إلى مدينة تطوان. حيث استقبلتهم هذه المدينة قبل أن يتوزع ما تبقى منهم على مدن مغربية أخرى وخاصة مدن الشمال المغربي حيث كان كثيرا منهم - على حد تعبير المؤرخ المغربي محمد داود "فقراء و لا حرفة لهم". وأحصي من فقراء الجزائر بتطوان وحدها في سنة: 1258هـ/1842م حوالي 700 فرد. وبعد استقرارهم بالمغرب أوصى السلطان العلوي عبد الرحمن بن هشام خديمه قائد مدينة طنجة عبد الرحمن أشعاش بأن يحسن استقبالهم وإيوائهم ويعطي "قفطان ملف" لكل وافد جزائري على مدينة تطوان كما تؤكده بعض "المراسلات المخزنية" المتبادلة بين السلطان وعامله على طنجة. من هنا نستطيع القول إن التراث المغربي أصل لا يتجزأ، من حيث الماهية والانتساب، بمعنى آخر؛ إن تمظهرات التراث المتعددة، يربط بينها خيط ناظم وعلاقة سببية تحيلنا على التراكمات الحضارية، والمحطات التاريخية، والهوية الثقافية، التي تولد عنها مسمى: "التراث الموروث" المتواتِر والمتوارَث عند المغاربة كابرا عن كابر، حيث إنه لم يأت من فراغ، كما أنه يرتبط بالتسلسل الزمني لتاريخ المغرب الذي لم ينفرط عِقده كما هو الحال عليه في باقي دول شمال إفريقيا التي فُرض عليها منطق "التبعية" - إسمية كانت أو رسمية - لكيانات سياسية مختلفة في مختلف فتراتها التاريخية. ولذلك فمن الطبيعي أن يكون التراث المغربي تراثا أصيلا متأصلا ضاربا أطنابه في التاريخ، فمثلا؛ القفطان المغربي له أسماء متعددة تُنسب لمختلف المدن المغربية كالقفطان الفاسي والسلاوي والرباطي والتطواني، وأسماء متعددة تُنسب إلى صنعته كقفطان الخريب وقفطان النطع الفاسيّيْن، وأسماء تُنسب إلى نوع الثوب المستعمل في خياطته كقفطان "المْلفّ" (أو المْلِيفّة) وقفطان البروكار الفاسيّيْن، وأسماء متعددة تُنسب إلى المناسبات والأعراس المخصص لها وخاصة قفطان العرائس الذي كان يسمى في مدينة فاس بالشدة أو (اللبسة) الفاسية، وفي مدينة سلا الشدة أو (اللبسة) السلاوية.. وأسماء تُنسب إلى شكل القفطان وتأثيره على الحالة النفسية كقفطان البهجة نسبة إلى بهجة النفوس.. وغير تلك التسميات كثير، يقصر عنها الوصف. لكن هذه التسميات بالرغم من كونها مختلفة، إلا أنها مؤتلفة فيما يتعلق بانتسابها إلى المغرب لذلك تم اختزالها والاقتصار على تسمية: "المغربي" عند الحديث بشكل عام عن الزي التقليدي للنساء في المغرب فصار يسمى بـ: (القفطان المغربي)، لأن الفرع لا يخالف أصله، ولأن الخاص دائما يحمل على العام بمقتضى القاعدة الشرعية المعروفة في علم الأصول. وعليه، يمكن القول إن القفطان بعد دخوله من المغرب إلى بعض دول شمال إفريقيا بحكم التداخل و التجاور، وجدنا بعض التسميات المحدودة والحديثة التي تطورت إقليميا، وخاصة في غرب الجزائر التي كانت بعض أراضيها تابعة - تاريخيا للمغرب - قبل أن يقتطعها الاستعمار الفرنسي عقب احتلاله للجزائر سنة: 1830م. ومن تلك التسميات المحدودة والحديثة؛ قفطان القاضي والشدة التلمسانية على سبيل المثال. وهي تسميات ترتبط بالقفطان المغربي ارتباط الفرع بأصله والدال بالمدلول عليه صنعة وانتسابا وتسمية، شأنه في ذلك شأن "الطربوش الأحمر المغربي" ذو الذؤابة السوداء، الذي كان مدى انتشاره أوسع من انتشار القفطان المغربي، ومردّ ذلك راجع إلى كون السلاطين العثمانيين المتأخرين؛ تأثروا بسلاطين الدولة العلوية المزامنين لهم - الذين حلوا محل السعديين في المغرب - فقاموا باتخاذه بشكل رسمي عوض "العمامة العثمانية" (العمامة الخاقانية) التي كان يُعرف بها السلاطين العثمانيين الأوائل كما تعكسه جميع صورهم التي نقلتها المصادر العثمانية. وبعد اتخاذه بشكل رسمي؛ أطلق العثمانيون على "الطربوش المغربي" تسمية: "الطربوش الفاسي"، أو"طربوش الفاس"، أو"فسس"، وهي التسمية التي وردت في معجم الدولة العثمانية الذي ذُكر فيه أن "(فسس) بكسر الفاء الممالة [وهي] غطاء للرأس يُصنع في مدينة فاس من صوف أو لباد أحمر اللون.. وأصبح (فسس) الغطاء الرسمي للرأس عند العثمانيين بعد إلغاء فرقة الانكشارية. وكان ذلك بمقتضى قانون صدر عام: [1140هـ] 1728م. وفي عام: [1251هـ] 1835م أُقيمت في استانبول (فسس خانه).. [لكن ما لبث أن] ألغي لبسه رسميا عام: [1343هـ] 1925م". أي: بعد سقوط الخلافة العثمانية. وينعت الطربوش المغربي في اللغات الأوروبية بكلمات: FEZ أوFES أوFAS نسبة إلى فاس، وفي هذا الشأن، نشير إلى أن أصل هذا الطربوش، يرجع إلى المغرب الذي كان يصطلح العثمانيون على تسميته بـ: دولة "فاس"؛ نسبة إلى العاصمة التاريخية لهذا البلد، لأنه انطلق من مدينة فاس المغربية إلى غيرها من المدن والأقطار. وقد كان "الطربوش الفاسي" الذي يُلبس مع الجلباب المغربي (الجلاّبة)، يُعرف بلسان المغاربة - منذ العصر المريني - بـ: "الشاشية" نسبة إلى الذؤابة السوداء أوخصلة الشعر التي تشبه شعر ذيل الحصان. من خلال ما سبق يمكن القول إنه كان من الطبيعي أن تنتقل هذه التأثيرات الحضارية إلى الغرب الجزائري المتاخم للمغرب، وذلك بحكم الارتباط الثقافي والحضاري، بل وحتى البشري، لاسيما وأن الغرب الجزائري وتحديدا عاصمته تلمسان؛ لطالما تأثرت بعوائد الحضارة المغربية، بل وكانت تابعة للمغرب في بعض مراحلها التاريخية خاصة بعدما استولى عليها السلطان أبو الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م)، وبنى مشوارها السعيد المستلهم من المشوار السعيد للقصر المريني بفاس الجديد وهي (العاصمة المخزنية للمرينيين). ولم يقتصر تأثير الحضارة المرينية على غرب الجزائر فحسب، بل شمل حتى مدينة غرناطة، وهي آخر معقل إسلامي بالأندلس، حيث إن ملوك بني الأحمر (بنو نصر) كانوا يقلدون المرينين في تقاليدهم المخزنية حسب ماذكره مارمول كربخال (926 - 1009هـ/1520 - 1600م) في كتابه: "وقائع ثورة الموريسكيين"، حيث يقول: "ولطالما قلد ملوك غرناطة نظراءهم من ملوك فاس [يقصد المرينيين]، فأضحت المدن محل الوصف وأجواءها ومبانيها و حكامها وكل ما هو دون ذلك على قدر كبير من التشابه". بل وأشار مارمول إلى أن أمراء غرناطة قلدوا حتى "فاس الجديد" الذي بناه المرينيون خارج أسوار المدينة القديمة التي أضحت تسمى: "فاس البالي". يقول مارمول: ".. ماحملهم [ملوك غرناطة] على جعل بداية ذلك الحصن ونهايته خارج أسوار المدينة وعلى مقربة منها، اقتداء بملوك فاس الذين أقاموا حصنا آخر للغرض ذاته قبل سنين قليلة، حيث تركوا وراءهم ما يملكونه من قصور قصبة فاس القديمة [فاس البالي] ليشيدوا حصن فاس الجديد الذي لقبوه بالبيضاء، وعاشوا فيه أكثر أمنا في منازلهم مع ذويهم". ولعل هذا التأثير سيترسخ في الغرب الجزائري بشكل كبير في مرحلة "الهيمنة المرينية"، وهي المرحلة التي لقب فيها السلاطين المغاربة بـ: "ملوك المغرب"، كما تؤكده بعض الوثائق والمراسلات السلطانية الصادرة من خصومهم، وعلى رأسها؛ وثيقة مؤرخة في: 9 محرم 716هـ/3 أبريل 1316م، يصف فيها أبو يحيى زكرياء الأول الحفصي، السلطان أبا سعيد المريني (710 - 731هـ/1310 - 1331م)  بـ: "ملك المغرب أعزه الله". ومعلوم أن أبا زكرياء الأول الحفصي، انتقلت إليه "الخلافة" من أجداده الحفصيين بتونس الذين ورثوها بدورهم عن أسلافهم الموحدين في مراكش، وأبو زكرياء هذا هو الذي سيوحد الدولة الحفصية من جديد حيث أصبح (الخليفة) الحفصي بدون منازع في تونس بين سنتي: (718 - 747هـ/1318 - 1346م)، حيث سيتحالف مع المرينيين ضد أمير تلمسان أبي تاشفين ابن أبي حمو موسى الزياني (718 - 737هـ/1318 - 1337م) لإيقاف هجوماته التي بدأها منذ سنة: 719هـ/1319م على مدينة بجاية الحفصية، وهو التحالف الذي انتهى بمقتل أمير تلمسان أبو تاشفين ابن أبي حمو موسى الزياني (718 - 737هـ/1318 - 1337م)، وسقوط تلمسان في يد أبي الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م) في: 27 رمضان 737هـ/29 أبريل 1337م. الذي سيثبت لنفسه - بعد ذلك - لقب: "ملك المغرب"، كما نلاحظه - على سبيل المثال لا الحصر - من خلال خواتم أجزاء ربعته المصحفية الشهيرة التي كتبها بخط يده سنة: 745هـ/1345م، وحبّسها على بيت المقدس الذي لا تزال بعض أجزائها محفوظة به إلى اليوم، وهي الربعة التي قمنا بدراستها في أطروحتنا لنيل الدكتوراه حول: "المصاحف والكتب والوثائق المخطوطة في المغرب". وبعد سيطرة أبي الحسن المريني على تلمسان سيق أحد أمراء بني زيان وهو: أبو حمو موسى الثاني إلى مدينة فاس عاصمة المرينيين فأقام بها مدة طويلة، حيث تأثر بمظاهر الحضارة المرينية كما يذكر ذلك ابن الأحمر (725 - 807هـ/1325 - 1405م) في كتابه: "تاريخ الدولة الزيانية بتلمسان". حيث يقول عنه: "..أدركته بفاس وهو يسكن بها في عين أصليتن [وهو حي بعدوة القرويين بفاس يعرف اليوم بعين أزليتن] يتعيش برد الفك للمفكوكين، وذلك في دولة المولى أمير المسلمين أبي الحسن المريني، ورأيت بفاس؛ أباه يوسف بن عبد الرحمن - بعد الهزيمة عليهم بأنجاد - وهو في حانوت بالسقاطين يبيع السقط، فكيف يضاهي هذا الخامل الملوك الكرام بني مرين؟ وآل مرين أهل العزة والقهر لمن سواه من الملوك..". ورغم التحامل الذي يظهر في لهجة ابن الأحمر تجاه أبي حمو موسی الثاني (760 - 791هـ/1359 - 1389م)، إلا أن هذا الأخير نجح في إعادة إحياء الدولة الزيانية من جديد بعد استرجاعه لمدينة تلمسان سنة: 760هـ/1359م، مستغلا بذلك وفاة السلطان المريني أبي عنان سنة: 759هـ/1358م، فنقل "الحضارة الفاسية" المغربية معه حتى صارت "تلمسان" تدعى بـ: "الأخت الصغرى لمدينة فاس". وقد أحكم أبو حمو موسی الثاني الزياني قبضته على تلمسان لينفرد فيها بالحكم مدة 30 سنة، فألف كتابه: "واسطة السلوك في سياسة الملوك" لوصف منهجه السياسي في ممارسة الحكم، حتى أن مؤرخ بلاطه يحيى بن خلدون - وهو الأخ الأصغر لعبد الرحمن بن خلدون صاحب المقدمة - اعتمد عليه في تأليف كتابه: "بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد" الذي ألفه بأمر منه. وذهب أبو حمو موسى في كتابه: "واسطة السلوك" إلى اعتبار "تزوير المراسلات والمكاتبات" فضلا عن اللجوء إلى "أسلوب الخداع"؛ سبيلا للنيل من أعدائه المرينيين. لاسيما وأن الزيانيين كانوا دائما ما يستشعرون خطر المرينيين المحدق ببلادهم، لذلك كانوا في الغالب الأعم يلجؤون إلى أسلوب "المهادنة والمداهنة" مع إعمال الحيلة لاحتواء الخطر المريني، وهو ما جعلهم - طيلة صراعهم مع المرينيين - في وضع دفاعي يرومون من خلاله إيقاف التحرشات المرينية. وتفادي مغبة الاصطدام معهم - ما أمكن - ولعل هذا التوجه؛ هو ما طبع الدولة الزيانية منذ عهد مؤسسها يغمراسن بن زيان (633 - 681هـ/1236 - 1283م)، الذي فضل عدم منافسة المرينيين، حيث يذكر ابن خلدون أنه أوصى ابنه أبا سعيد عثمان الأول (681 - 703هـ/1283 - 1303م) بوصية حذره فيها من منازعتهم في الأمر. أما المرينيون، فلم يدخروا جهدا في القيام بتدبير المؤامرات لاغتيال أبي حمو موسی الثاني الزياني، وذلك منذ عهد أبي سالم إبراهيم المريني (760 - 762هـ/1359 - 1361م) الذي كان يناصبه العداء إلى درجة وصفه معها أبو حمو في كتابه: "واسطة السلوك" بـ: "العدو"، كما تدل على ذلك عبارة: "وهذا كان حالنا مع عدونا أبي سالم..". وقد تأتّى للمرينيين - بعد عدة محاولات - التمكّن من أبي حمو موسی الثاني الزياني من خلال الخيانة الداخلية، حيث استعان ابنه وولي عهده أبو تاشفين بالسلطان المريني أبي العباس أحمد المستنصر (ت.796هـ/1393م)، مما مهد السبيل للمرينيين للدخول مرة أخرى إلى تلمسان وتخريبها بعد مقتل أبي حمو موسی في ذي الحجة 791هـ/نونبر 1389م. ورغم كل هذا الصراع المرير؛ إلا أن التلمسانيين، وبعد سيطرة العثمانيين على الجزائر سنة: 922هـ/1516م، وجدوا أن قواسمهم المشتركة مع المغرب أكثر من تلك التي تجمعهم مع الأتراك، لذلك قاموا ببيعة السلاطين السعديين الذين لم يقتصروا على اتخاذ لقب: "الخلافة"، بل أضافوا له ألقابا أخرى؛ كلقب: "ملوك إفريقيا". وهو ما أسخط عليهم القائد العثماني "بربروس" الذي بيّت النية لاستئصال شأفتهم. وبعد قضاء العثمانيين على ما تبقى من الزيانيين في تلمسان، اتجهت فلولهم إلى المغرب ودخلوا في تحالف مع السلطان السعدي عبد الله الغالب (964 - 982هـ/1557 - 1574م)، الذي جرت بينه وبين العثمانيين معركة وادي اللبن في سنة: 965هـ/1558م، بمنطقة تيسة (إقليم تاونات - حاليا) شمال مدينة فاس، وهي المعركة التي قطعت آمال العثمانيين نهائيا في الحصول على بلاد المغرب، حيث انتصر فيها السعديون انتصارا ساحقا بمساعدة حلفائهم الجدد "بنو زيان"، وكاد حسن باشا قائد القوات العثمانية أن يلقى حتفه في هذه المعركة لولا أن نجح في الفرار بجلده، وتقديرا لبسالتهم؛ قُدِّمت لبقايا الزيانيين الأراضي المحيطة بأرض المعركة، فشكلوا دِرعا لحماية فاس من أي زحف عثماني. من هنا يمكن القول إن تلمسان وبعض مدن الغرب الجزائري، تأثرت بالعادات المغربية، وهذا ما يفسر اننا كلما اتجهنا شرقا يقل تأثير الحضارة المغربية، لأن الجزائر كانت خلال العصر الحديث معلقة بين عالمين؛ التأثير العثماني والتأثير المغربي، وقبل ذلك؛ أي في العصر الوسيط، كانت تتأرجح بين التأثير القيرواني والأندلسي و المغربي، كما يستنتج هذا من خلال ما ذكره هوداس في معرض حديثه عن الخط المغربي، حيث أشار إلى أن الجزائر كانت تتأرجح بين التأثير الفني للخط الفاسي والخط القيرواني تارة، وبين تأثير الخط الأندلسي تارة أخرى، بل إن سكان مدن الغرب الجزائري - حسب الباحث نفسه - كانوا يذهبون إلى مدينة فاس للدراسة في جامعة القرويين، ويرجعون منها بنوع الكتابة المتخذ في جامعة هذه المدينة. وهذا التأثر نلاحظه حتى في اللباس، فكما يوجد "القفطان المغربي" في الجزائر وخاصة في التخوم الغربية، توجد ألبسة أخرى عثمانية مثل "الكراكو العثماني" مما يدل على أن الجزائر عرفت تنوعا حضاريا وثقافيا بحكم (المؤثرات المغربية) في العصر الوسيط وتحديدا خلال عصري الدولتين المرابطية والموحدية اللتان كانت عاصمتهما "مراكش"، فضلا عن (المؤثرات العثمانية) ابتداء من العصر الحديث بعد سيطرة العثمانيين على الجزائر سنة: 922هـ/1516م، فصارت إيالة عثمانية تابعة لـ: "استانبول"، حيث ستخضع هي وكافة دول العالم الإسلامي لعملية "التتريك" أو بالأحرى "العثمنة"، التي فرضها العثمانيون على ولاياتهم وإيالاتهم شرقا وغربا. ولتمييز المغرب على الايالات العثمانية بخصوصية تراثه واستقلاله بسيادته، كان يرِد في الوثائق السعدية بتسميات مختلفة من قبيل: "المملكة الحسنية". أو"الإيالة الهاشمية". أو"الإيالة العلوية". أو"الإيالة الشريفة". وفي هذا السياق، نشير إلى أن المصادر والمراجع العثمانية كانت تطلق على "المغرب" خلال الفترة المذكورة تسمية: "فاس"، وهذا معناه أن كل شيء مغربي؛ هو من منظور العثمانيين: "فاسي" بما في ذلك العادات والتقاليد التي ستتأكد نسبتها منذ مستهل العصر الحديث إلى المغرب الأقصى أو"مملكة فاس" كما كان يسميها الأتراك ولازالوا إلى اليوم. وذلك قياسا على كل ما يتصل بـ: "التراث المغربي - الفاسي" وتجلياته الحضارية التي تشمل كافة مناحي الحياة. وخاصة ما يتعلق منها بـ: "الأحكام السلطانية" و"الآداب السلطانية"، التي تريد من خلالها كل دولة التفرد بمظاهر حضارية تميزها عن الدول الأخرى، والتي تشمل كل مظاهر الحياة بعاداتها وعوائدها وتقاليدها التي سرعان ما تصير - عبر الزمن - تراثا متواتِرا ومتوارَثا كابرا عن كابر، بحكم التداول والتناول، فضلا عن التداخل والتراكم، ثم السيرورة فالتطور. ويُعزى سبب إطلاق العثمانيين على المغرب تسمية: فاس؛ إلى كون هذه المدينة ظلت عالقة بأذهانهم بعدما دخلوها مرتين اثنتين دون أن يستطيعوا السيطرة على بلاد المغرب. كما يُعزى أيضا إلى كون مدينة فاس تعد رمزا حضاريا للدولة المغربية، وذلك منذ تأسيسها سنة: 192هـ/808م من طرف الأدارسة (الحسنيّين) المستقلين بالمغرب عن التبعية للخلافة المشرقية (العباسية)؛ حيث كان تأسيسها إعلانا عن تأسيس "الدولة المغربية" التي ستستمر طيلة 12 قرنا إلى يومنا هذا دون انقطاع. وقد عبّر عن هذا المعطى؛ خير الدين بربروس (875 - 953هـ/1470 - 1546م) من خلال مذكراته التي أملاها على رفيقه المرادي بأمر من السلطان سليمان القانوني (926 - 974هـ/1520 - 1566م)، والتي يمكن اعتبارها مصدرا عثمانيا يؤرخ لمرحلة توسع الدولة العثمانية خلال القرن 16م، حيث شهد بوجود دولة عريقة في المغرب سماها تارة بـ: "مملكة فاس"، وتارة أخرى بـ: "مملكة المغرب"، وهي المملكة التي كان يحكمها - على حد تعبيره - "سلطان ينتمي إلى أسرة ملكية عريقة". وعلّق بربروس على المغرب - بعد فتحه لبلدان شمال إفريقيا في سنة: 922هـ/1516م - قائلا: "ولم يكن في شمال إفريقيا دولة أخرى ذات أهمية غير مملكة المغرب، أما تونس وتلمسان اللتان كان يحكمهما الحفصيون وبنو عبد الوادي فلم يعد لهما أهمية على الإطلاق"، ولا شك أن هذه الشهادة شهادة قوية لا تقبل التأويل أوالتعليل، لأنها من مصدر عثماني مؤلفه أحد قادة الأسطول العثماني، الذي يرجع له الفضل صحبة أخيه عروج في ضم بلدان شمال إفريقيا - عدا المغرب - إلى الإمبراطورية العثمانية في عهدي: سليم الأول (918 - 926هـ/1512 - 1520م)، وابنه سليمان القانوني (926 - 974هـ/1520 - 1566م)، حيث يشهد باستقلال المغرب من منطلق واقعي رآه بأمّ عينه، وساهم فيه بنفسه، مما يحيلنا - دون أدنى شك - على قوة الدولة المغربية التي صنّفها الباحث التركي يلماز اوزتونا ضمن: "الدول الكبرى.. التي حكمت.. في الأندلس"، وذلك في إشارة منه إلى تاريخ المغرب المَجيد، حينما كانت الأندلس ولاية تابعة للمغرب وعاصمته مراكش خلال عصر الدولتين المتعاقبتين: المرابطية والموحدية، بل إن هذا الباحث ذهب إلى أبعد من ذلك حين وصف فاس بالإمبراطورية، إثر حديثه عن دول شمال إفريقيا، حيث يقول: "كانت (إمبراطورية فاس) في هذه المنطقة دولة كبيرة، وكانت تشمل أقصى غرب المنطقة بين الأبيض والأطلسي.. [وهي]: بالعربية: (المغرب الأقصى)". وإثر حديثه عن معركة وادي المخازن الشهيرة (986هـ/1578م)، تحدث الباحث نفسه عن "اتحاد (إمبراطورية فاس) مع (الدولة العثمانية)". ولا شك أن استعماله؛ كلمة: "اتحاد" وتسمية: "إمبراطورية فاس"، فيه ما يدل على قوة المغرب واستقلاله السياسي. ويشير الباحث نفسه إلى أن السلطان السعدي السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، كان "عهده من ألمع الفترات التي عاشتها فاس [المغرب]". وللتأكيد على قوة أحمد المنصور الذهبي؛ نشير إلى أنه - وفي إطار العلاقات الدبلوماسية - عرف هذا السلطان السعدي كيف يجعل الأوضاع الدولية لصالحه، حيث أتقن لعبة التحالفات الإقليمية، فلعب بالورقة الإسبانية الرابحة؛ إلى درجة لقبته معها السلطة العليا في إسبانيا بـ: "إمبراطور المغرب"، وهو ما نستنتجه من خلال رسالة بعثها سيلفا إلى الملك فيليب الثاني سنة: 991هـ/1583م، يقول فيها: "إن إمبراطور المغرب يسخر منا، فهو متأرجح بين مصانعتنا ومصانعة الأتراك، فعندما يطالبه صاحب الجلالة بالعرائش، يقول هيا بنا إلى الجزائر [العثمانية]، وعندما يهدده الأتراك، يقول هيا بنا إلى إسبانيا". وما نستغربه في هذا الشأن، هو تسمية العثمانيين للمغرب بمملكة فاس في عصر الدولة السعدية، وذلك بالرغم من كون هذه الدولة قد اتخذت من مدينة مراكش قاعدة لملكها و(عاصمة سياسية) لها، وذلك قبل أن تنقسم في مرحلة ضعفها إلى مملكتين متناحرتين - يفصل بينهما نهر أم الربيع - هما: "مملكة فاس" و"مملكة مراكش". وهذا يدل على أن المصادر والمراجع المغربية لم تستعمل تسمية: "مملكة فاس" إلا في إطار المقارنة بينها وبين: "مملكة مراكش"، كما أنها لم تستعمل التسمية نفسها إلا في سياق الإشارة إلى المراحل النهائية للدولة السعدية التي تحيلنا على التمزق السياسي الذي كان يعيشه المغرب في أواخر هذه الدولة، حيث كانت مدينة فاس نفسها (وهي عاصمة المرينيين والوطاسيين قبل قيام الدولة السعدية) تنقسم إلى مدينتين اثنتين - منذ العصر المريني - هما: "فاس البالي"، و"فاس الجديد"، الذي كان يسمى أيضا: "المدينة البيضاء". و"الدار البيضاء". وفي هذا المضمار، يشير المؤرخ الإسباني ذو الأصل القشتالي دييغو دي طوريس (Diego de Torres)، إلى أن المغاربة أنفسهم كانوا يطلقون "على المملكة كلها اسم هاتين المدينتين"، ويقصد دي طوريس بـ: "المملكة": (المغرب). أما "هاتين المدينتين"؛ فيقصد بهما: "فاس البالي، و..فاس الجديد، ومعناه.. فاس القديمة وفاس الحديثة". ومعلوم أن "فاس الجديد" قد أُسِّس من قِبل المرينيين، ليكون دار ملكهم وقاعدة حكمهم، وبعد ذلك أسسوا إلى جانبه "الملاّح" في: 2 شوال 674هـ/20 مارس 1276م، وهو الحي الذي خُصِّصت سكناه لليهود، وعليه سُمّيت كل أحياء اليهود في سائر المدن المغربية، ولا تزال هذه الأحياء شاهدة على ذلك إلى يومنا هذا. فما من شك أن شهادة دي طوريس حول مسألة التسمية لها دلالة قوية ووزن كبير، وذلك بالنظر إلى كون هذا المؤرخ الإسباني ألّف كتابه: "تاريخ الشرفاء"، ليجعل منه وثيقة تؤرخ للفترة السعدية منذ سنة: 908هـ/1502م؛ وهي المرحلة التمهيدية التي سبقت مرحلة التأسيس إلى غاية وفاة عبد الله الغالب سنة: 982هـ/1574م. وبالتالي فهذا الكتاب يعتبر شهادة حية؛ من أجنبي سلط الضوء على بعض الجوانب الدقيقة المتعلقة بالمغرب السعدي من خلال ما عايشه باعتباره شاهد عيان، حيث دخل المغرب في عهد محمد الشيخ المهدي (947 - 964هـ/1540 - 1557م)، وبالضبط في سنة: 953هـ/1546م، ومكث فيه ما يقارب ثلاثين سنة، أي إلى ما بعد وفاة عبد الله الغالب السعدي (964 - 982هـ/1557 - 1574م). وتُعدّ هذه الفترة التي أرخ لها دي طوريس، هي المرحلة التي شهدت الاصطدام بين كل من السعديين والعثمانيين، وهي تقريبا المرحلة نفسها التي تحدث عنها بربروس في مذكراته، وعبّر من خلالها عن رغبته الأكيدة في ضم بلاد المغرب للسلطة العثمانية، رغم اعترافه بأن "سلطان المغرب يعتبر أكبر ملوك العرب في إفريقيا.. [و] ما لم يتم إخضاعـ[ـه].. فإنه من المستحيل بسط سيطرة الأتراك على إفريقيا". وهذا يُستفاد منه، أن بربروس كان يمنّي النفس بالسيطرة على المغرب دون أن يبلغ ذلك المرام، بل إنه اعترف أن الجزائر - حتى وبعد دخوله إليها سنة: 922هـ/1516م، خلال عهد سليم الأول ونجاحه في إخضاعها للعثمانيين - إلا أنها كانت لا تزال تضرب النقود باسم السعديين بمباركة الزيانيين، وهو الشيء الذي أثار حفيظة القائد العثماني "بربروس" الذي استنكر ذلك على الجزائريين بقوله: "..كيف تسنى لكم أن تتركوا خليفة المسلمين، وسلطان العالم [سليم الثاني]، وتقرؤون الخطبة وتضربون النقود باسم سلطان المغرب؟!". عطفا على ما سبق نستطيع القول إن استمرار "الدولة المغربية" دون انقطاع أكثر من 12 قرنا، هو ما أفرز ما يمكن تسميته بـ: "خصوصية التراث المغربي"، ومردّ ذلك راجع إلى تماسك البنيات السياسية والاجتماعية لهذه "الدولة الأمّة" (État-nation) عبر التاريخ، فضلا عن تسلسل أسرها الحاكمة التي تواترت على حكم المغرب، وهو التسلسل الذي عبّر عنه الباحث المغربي محمد شقير بـ: "استمرارية الدولة بالمغرب"، بينما عبر عنه المؤرخ والمفكر الجزائري محمد أركون (1346 - 1431هـ/1928 - 2010م) بـ: "أطول استمرارية" للدولة المغربية في شمال إفريقيا. الأمر نفسه؛ عبر عنه الباحث الجزائري مصطفى خواص - وهو باحث في العلوم السياسية - حيث أشار إلى أن "الدولة في المغرب الأقصى لم تنقطع تماما مثلما هو عليه الحال في الجزائر وتونس وباقي الدول المغاربية". أما مفتي الديار التونسية؛ محمد الفاضل بن عاشور (1327 - 1390هـ/1909 - 1970م)، فقد أشار قبلهم إلى "سعة الحضارة وضخامة الدولة" المغربية. بل وأكد على الدور الكبير للمغرب وفضله على سائر البلدان المغاربية في مختلف الفترات التاريخية، حيث يقول معترفا: "إننا مدينون في هذا الميدان للمغرب بكل شيء، فنحن نقرأ القرآن بوقف الإمام الهبطي الفاسي، ونصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتلاوة دلائل الخيرات للجزولي، ونفهم فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وما خصه به من مكارم الأخلاق بواسطة كتاب: الشفا للقاضي عياض، كما أن رواية علماء تونس في الحديث كلها تتصل في القديم والحديث بعلماء مغاربة من عهد دراس بن إسماعيل وأبي عمران الفاسيّيْن".ولا شك أن ظهور مثل هؤلاء العلماء الأعلام الذين رسموا تراث الغرب الإسلامي بكافة تجلياته، هو مرتبط - لا محالة - بالاستقرار السياسي الذي كان ينعم به المغرب طيلة مراحله التاريخية، فضلا عن استمرارية الدولة المغربية إلى يومنا هذا. ومعلوم أن الدول (المركزية) المتعاقبة على حكم المغرب - دون ذكر الإمارات المغربية التي حكمت في بعض جهاته - عددها سبع دول؛ ترتيبها الزمني  كما يلي: "الأدارسة - المرابطون - الموحدون - المرينيون - الوطاسيون - السعديون - العلويون ". وهي الدول التي يجمعها البيت الشعري التالي: درس المرابط وحده مرة   فوطّد سعده في العلى بخلاف دول شمال إفريقيا - عدا المغرب - التي كانت مرتبطة بالثقافة العثمانية إلى حين سقوطها تحت ربقة الاحتلال الفرنسي. (سقوط الجزائر سنة: 1246هـ/1830م)، و(سقوط تونس سنة: 1298هـ/1881م). إذن فمسألة التراث وعلاقة التأثير والتأثر لا يمكن - بأي حال من الأحوال - حَجْرها وحَصْرها بالحدود السياسية المقيتة التي تعد من مخلفات الاحتلال الغاشم، فالتراث يتنقل ويتبلور ثم يتطور، لتتولد عنه أشكال أخرى تنمّ عن معينه الثرّ الذي لا ينضب، كما أن الحضارة والعادات والتقاليد تخضع لمنطق "التوطين المجالي" (الإنساني) المتحرّك، لا لمنطق "الترسيم الحدودي" (السياسي) الجامد، فمثلا سكان غرب الجزائر هم أقرب لسكان شرق المغرب من قرب هؤلاء وأولائك من سكان شرق الجزائر وسكان غرب المغرب، من حيث العادات والتقاليد والعوائد بحكم التداخل و التجاور و الروابط الدموية.
physical copy

More Books

PC system programming
PC system programming
"A Data Becker book." "An in-depth reference for the DOS programmer"--Cover System requirements for computer disks (1MB of source code files in compressed format): IBM PC; MS-DOS; 1 disk drive and hard disk Includes i...
كتب في التراجم وغيرها
كتب في التراجم وغيرها
1- إبن باجة وفلسفته المغربية - عمر فروخ 2- النهج السوي في معنى المولى والولي - محسن علي البلتستاني 3- توفيق التطبيق في إثبات أن الشيخ الرئيس من الإمامية الإثني عشرية - علي بن فضل الله الجيلاني 4- نكت في أحوال الشيخ ال...
الرأسمالية و الحرية
الرأسمالية و الحرية
الرأسمالية و الحرية ميلتون فريدمان الدار الجماهيرية للنشر و التوزيع و الإعلان، ليبيا الطبعة الأولى، يناير، 1426، الموافق يناير 1997م المحتويات مقدمة الفصل الأول: العلاقة بين حرية الاقتصاد و حرية السياسة الفصل ا...
Tarih Boyunca Farsça-Türkçe Sözlükler
Tarih Boyunca Farsça-Türkçe Sözlükler
Tarih Boyunca Farsça-Türkçe Sözlükler
The handbook of English pronunciation
The handbook of English pronunciation
1 online resource "The Handbook of English Pronunciation presents a comprehensive exploration of the characteristics of English pronunciation, including language acquisition, English in the world, its relationship to ...
أحمد صبري أبو الفتوح أجندة سيد الأهل
أحمد صبري أبو الفتوح أجندة سيد الأهل
«هاتخربوها، مش هتسيبوا فيها طوبة على طوبة، ولا باب مقفول يستر أهله، ولا عربية راكنة في شارع، ولا واحد من الشعب ابن الوسخة آمن على نفسه… إفراااااج يا زبالة». (الرائد مجدي الحسيني)العديد من الأعمال الأدبية تناولت ثورة ا...